صلاة الجمعه – 27 سبتمبر 2019

فی ذم الغلو فی الدین   : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق: 5]. أما بعدُ : فأُوصيكمْ نفسي وإياكم بما وصانا الله تعالى به، کان بحثنا فی 69 خطبةمن الخطب السابقه حول آفات اللسان و حديثنا اليوم عن آفة اخری من آفات اللسان وهی الغلو فی الدین . أيها الأخوة المؤمنون: حديثنا اليوم عن الغلو الذي نهى عنه الله – عز وجل – ورسوله – صلى الله عليه وأله وسلم -، وهو أيضاً باب من الأبواب التي يقع بها من الخطر والضرر شيء عظيم، ويقع بها تغيير في أصل الدين، ويقع بها ما يكون محاربة أو معارضة لما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -. والغلو في لغة العرب مجاوزة الحد ، فليس الغلو ما تحكم به العادات، ولا ما تؤدي إليه التقاليد، وليس الغلو هو الذي تراه العقول أو تحكم به الأهواء، وليس التطرف هو التزام شرع الله – عز وجل – كما يوصف كل مسلم اليوم يؤدي صلاته، ويخرج زكاته و يعلن إسلامه بأنه متطرف.  كل ذلك ليس من هذا الذي نتحدث عنه، وإنما المهم أن نعرف أن دين الإسلام هو دين التوسط والاعتدال {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}، وفي معنى هذه الوسطية قال أهل العلم: \” إنها العدل والاعتدال الإسلام دين العدل والصراط المستقيم ، الذي أمرنا أن نلتزم به ” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ” .الإسلام دين الاعتدال في كل شيء ؛ في العبادات والعادات والمعاملات وفي المنع والعطاء وفي الغضب والفرح وفي إشباع الغرائز وكبح الشهوات ، هو الأمر بين الأمرين . ” وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ” ، ” وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ” ، ” يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ” ، ” وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ” .و حذر الله – عز وجل – أهل الإيمان والإسلام مما وقعت فيه الأمم السابقة، قال – جل وعلا – في نداءه أهل الإيمان: {لا تغلوا في دينكم}، وإن كان النداء أو السياق في سياق حديث أهل الكتاب {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق  }مائده ألايه 78 فإن سياق الآيات إنما هي للمسلمين لينبههم ويحذرهم مما وقعت فيه الأمم السابقة من قبلهم من مثل هذا الغلو، وننتبه فنرى أن طرفي الأمور ذميم، وأن الوسط والاعتدال هو المستقيم.  قال النبي (ص) لعلي (ع) : يا علي يهلك فيك اثنان : محبٌّ غال ، ومبغضٌ قال . وعن الإمام علی (ع) فی خطبته 127 فی نهج البلاغه یقول : سَيَهلِكُ فِيَّ صِنفانِ: مُحِبٌّ مُفرِطٌ يَذهَبُ بهِ الحُبُّ إلى غَيرِ الحَقِّ ، و مُبغِضٌ مُفرِطٌ يَذهَبُ بهِ البُغضُ إلى غيرِ الحَقِّ ، و خَيرُ الناسِ فِيَّ حالاً النَّمَطُ الأوسَطُ فَالْزَمُوهُ.(من جحدکم کافر و من حاربکم مشرک ومن رد علیکم فی اسفل درک من الجحیم ) فالوسطية والاعتدال في الإسلام هو اعتدال في العقيدة ؛ فلا يتخذ المسلم الغلو طريقاً وسبيلاً ، ولا يتخذ التقصير مسلكاً ، فلا يسير على مسار الجبر ولا التفويض ، فلا يغرق في عالم المادة وينسى الأمور المعنوية ولا يغرق في المعنويات وينسى الماديات ؛ بل يُحكّم العقل بغرائزه وشهواته وينطلق مع غريزته وشهوته فيما أحلّه اللهسبحانه له ؛ ليكون عبداً مطيعاً لله وقريباً من المولى سبحانه ، تسمو به نفسه بابتعادها عن الشهوات ؛ ليكون أفضل من الملائكة ، كما ورد في مضمون حديث للإمام علي (ع) : خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة و خلق البهيمة شهوة بلا عقل و خلق الإنسان و جعل فيه العقل و الشهوة فمن غلب عقله شهوته كان أفضل من الملائكة و من غلبت شهوته عقله كانت البهيمة خيراً منه . فإنه يصير دون البهيمة على ما قال تعالى: * (أولئك كالأنعام بل هم أضل) * (الأعراف: 179) ولذلك صار مصيرهم إلى النار دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئا بل يعمل بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر يستشف من الروايات الشريفة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ للعقل دوراً أساساً في فهم معنى العبادة والقيام بهابالشكل الذي يدرك الإنسان فيه أنّ عمله هذا ليس مجرّد حركات أو لقلقة لسان، فبوعي الإنسان للمضامين العالية التي تتضمّنها العبادات تصبح الصلاة بالنسبة له رادعاً حقيقياً عن الفحشاء والمنكر، وكذلك يصير الصوم مثبتاً للإخلاص في نفسه، والزكاة تطهيراً لماله، أما من لا يُعمل العقل في إدراك هذه المعاني فإنّه يقوم بمجرّد حركات، وإن كانت تسقط الفريضة عنه إلا أنّها لا ترتقي بروحه لما يريده له الله تعالى، ففي الرواية عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: “قلت له: جعلت فداك إنّ لي جاراً كثير الصلاة، كثير الصدقة، كثير الحج لا بأس به، قال: فقال: يا إسحاق كيف عقله؟ قال: قلت له: جعلت فداك ليس له عقل، قال: فقال: لا يرتفع بذلك منه”1. إذْ إنّ الإنسان تتصارع عنده قوّتان ( دوافع الخير ونوازع الشر ) ” إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ” فالإنسان خلق في الدنيا ليتزوّد منها للآخرة ، وقد أودع الله فيه الغريزة ليعمر هذه الدنيا ويتزوّد منها للآخرة ، وأن لا يترك واحدة منهما في سبيل الأخرى ؛ بل يقدّم للأخرى من الأولى ، وينال للدنيا مما أحلّه الله له . يقول تعالى ” وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ” وعن النبي (ص) : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه لهذه .إنّ الدين الإسلامي يعطي توازناً بين الدنيا والآخرة ، فيبيح للإنسان أن يستفيد من طيّبات الدنيا وملذّاتها المشروعة ، ولكن لا يطلق له العنان لإشباع رغباته ونزواته ، والقرآن الكريم ندّد بمن حرّموا على أنفسهم الطيبات ” قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ” .إنّ الإسلام متوازن في عقائده وسلوكيّاته ؛ فلا يقبل التصوّف والاهتمام بالأمور المعنوية دون الأمور المادية ؛ كما هو شأن المسيحية في الرهبنة ، كما يرفض التوجّه المادي ؛ كما هو عند اليهود الذين كانوا يحلّون ما ينفعهم ويرفضون ما لا يعجبهم وما لا تشتهيه أنفسهم ، لدرجة أنهم كانوا يتّهمون نبيّهم إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم أنّ هذه من عنده وليس من عند الله ، كما لا يتوافق الإسلام مع النظريات الرأسمالية في تعاملها مع الإنسان ، لكن الإسلام وسط بين ذلك كله يهتم بالماديات كما يهتمّ بالمعنويات .لقد تناولت تعاليم الإسلام السمحة كل جوانب حياة الإنسان – صغيرها وكبيرها – ووضع العلاج والحل المناسب لكل مشكلة تصادف الإنسان في حياته أو تقع في طريقه . إنّ القرآن وتعاليم أهل البيت (ع) يؤكدان على حالة الاعتدال والتوازن في العبادات والسلوك العام ، مضافاً إلى ما أوردناه في أول الخطاب ، نذكر آيات تؤكد كذلك على الوسطية والاعتدال . ” وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ” وفي المشي والحديث بين الناس قال تعالى ” وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ” ويقول تعالى ” وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. فالشريعة الإسلامية تصنع المجتمع الإسلامي ، ولا يمكن للمجتمع أن يضع الشريعة ؛ لأنّ الشريعة لا تتبدّل ولا تتغيّر ، فحلال محمد (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد (ص) حرام إلى يوم القيامة ، وللشريعة الإسلامية مبادئ ثابتة وأساسية ؛ فالشريعة تمثّل السياج الذي يحمي الشرع الحنيف ، ليبقى المجتمع محافظاً على الأصالة وحامياً للتميّز ، وكل شيء يمارسه الإنسان جعلت له الشريعة عنواناً ؛ حيث أنّ الأفعال: إما واجبة أو محرمة أو مستحبة أو مكروهة أو مباحة ، وليس للإنسان أن يعطي عنواناً لفعله دون الرجوع إلى الشرع الحنيف ، فإذا عرض له أمر يعرضه على الشرع الحنيف ؛ إن كان واجباً أتى به ويعاقب على تركه ، وإن كان حراماً وجب تركه ويعاقب على فعله ، أما لو وجد أن هذا الأمر مستحبٌ فهو مخيّر ؛ إن فعله فله الأجر وإن تركه لا يعاقب ، وإن وجده مكروهاً وتركه لأنه مكروه له الأجر وإن قام به لا يعاقب ، وحينما لا يجد عنواناً له فإنه يبني على الإباحة التي يتساوى فيها نتيجة الفعل أو الترك ، وقد ورد في الحديث الشريف الصحيح : كلّ شيء لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتجتنبه فلأن الإسلام دين يسر وسماحة انتشر في أصقاع العالم ، وكان سلوك المسلمين داعياً لغير المسلمين أن يدخلوا في الإسلام من خلال معاملة الصدق والأمانة والتعاون والرحمة بالبشر وعدم الأخذ بالشبهات ، ولو كان المسلمون الأوائل كما هو حال بعض من يدّعي الإسلام في وقتنا الحاضر ويدّعي أنه على طريق السلف الصالح ويعطي صورة مرعبة عن الإسلام من القتل لمجرّد الشبهات وقطع الرؤوس والمظاهر المنفّرة ؛ لما انتشر الإسلام وعمّ أطراف الدنيا ، ولما وجدت اليوم من يقول ” أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ” .وفي الحديث : جاء ثلاثة رجال إلى رسول الله (ص) ، فقال أحدهم : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال الآخر : أنا أقوم الليل ولا أنام . وقال الثالث : أنا لا أتزوّج النساء . فنهاهم النبي (ص) عن ذلك ، وقال : أما أنا فإنّني أصوم وأفطر وأقوم وأرقد ، وأتزوّج النساء ؛ فمن رغب عن سنّتي فليس منّي .وإنّ في الغلو وفي الإفراط والتفريط هلاك وضياع للدين والدنيا ، ورد عن النبي (ص) : إيّاكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين . وفي الحديث عن النبي (ص) : هلك المتنطّعون ، قالها ثلاثاً .إنّ المبتعدين عن وسطية الإسلام يسلكون في حياتهم مسالك وعرة فيصير منهجهم القهر والإكراه وسفك الدماء ونشر الذعر والخوف واستباحة الدماء والأعراض والأموال ؛ وذلك بسبب جهلهم بأحكام الشريعة لعدم فهمهم القرآن والسنة ، فيكفّرون من خالفهم لأدنى تهمة أو شبهة ، ويستحلّون دمه ، فعلى كل مسلم يعي مسؤوليته أن يساهم في توعية الأمة من مخاطر التّطرّف والتشدّد ، والتأكيد على مبدأ شريعة الإسلام السهلة السمحاء ، والثبات على الوسطية وقبول الآخر ، لنري العالم كلّه أن المسلمين هم دعاة حق وليسوا بإرهابيين كما يصفهم أعداء الإسلام ، وإنّ المسلمين أتباع الشريعة السهلة السمحاء ، وأنّ الإسلام دين حضاري وإصلاحي وأنّ المسلمين دعاة رحمة وهداية وعلم ونور .إنّ الوسطية والاعتدال يفرضان أن لا نعطي بيدنا إعطاء الذليل ولا نفرّ فرار العبيد ولا نرضى بالذلة ، بل نثبت للحفاظ على حقوقنا وتحقيق ما نعتقد به وما نصبوا إليه اقتداءً وتأسياً برسول الرحمة (ص) وبآله الأطهار (ع) ، نلازمهم فلا نتقدّم عليهم ولا نتأخّر عنهم ، لأنّ المتقدّم عليهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق ، فحينما يدور الأمر بين مهادنة العدو وذهاب الدين وبين مقاومة العدو وتحقيق الآمال والحفاظ على الدين ، فلا نختار إلا ما نصبوا إليه من نصرٍ أو شهادة ، النصر أن نعيش أحراراً كرماءً وأعزّاءً ، لأنّنا تعلّمنا من سيّدنا أمير المؤمنين أنّ موتنا في حياتنا مقهورين وحياتنا في موتنا قاهرين ، وآخر دعوانا أن صلِّ اللهم على المصطفى وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *