صلاة الجمعة – 22 نوفمبر 2019

خطبة الجمعة رقم 72من آفات اللسان یوم 22من شهر نوامبر 2019المطابق 24من شهر ربیع الاول 1441: آفة اخری من آفات اللسان وهی  الحکم بغیر ماانزل الله (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق: 5]. أما بعدُ : فأُوصيكمْ نفسي وإياكم بما وصانا الله تعالى به، کان بحثنا فی 71 خطبةمن الخطب السابقه حول آفات اللسان و حديثنا اليوم عن آفة اخری من آفات اللسان وهی الحكم بغير ما أنزل الله
قال تعالى: ﴿ يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26]. “هذه وصية من الله ، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله، وقد توعد تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد وأن المسألة خطيرة جدًّا، ومن أخطر ما يكون بالنسبة كثيرٌ من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الهک  فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالدین عام في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فاسأل ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيُقال لك: إن أطول آية هي آية الدَّين: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ… ﴾ [البقرة: 282]، كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص بالعبادة، أو بالأحوال الشخصية، هذا جهل، وضلال، أيها المسلمون إن شريعة الله التي جاء بها القرآن الكريم جاءت لتكون هي المرجع النهائي للبشرية جمعاء، في شتى شعبها ونشاطاتها، ولقد جاءت ليُحكم بها، لا لتعرف وتدرس، وتتحول إلى ثقافة في الكتب تُسَوَّدُ بها القراطيس؛ يقول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} (48) المائدة وإن هذه القضية يجب أن تكون واضحة، وحاسمة في ضمير المسلم ويجب التسليم التام بمقتضى هذه الحقيقة، وإلا لا يستقم للمسلم ميزان، ولا يتضح له منهج ولن يخطوَ خطوة واحدة في الطريق الصحيح.ومن المحزن أن القرآن الكريم لم يُعطَ المكانة السامية أو المنزلة المرموقة بنحو كافٍ بين أنصاره وأتباعه في هذه الأيام، فهو ليس للتبرك، ولا للتلاوة على أرواح الأموات، ومناسبات التعازي، أو التلاوة اليومية من حفظته وعشاقه فقط، وإنما هو دستور للعمل والتطبيق، وتصحيح للعقيدة والشريعة ومناهج السلوك والأخلاق، فإن الله تعالى أوجب بنص قاطع على عباده أن يتدبروا آياته، ويعملوا بنحو شامل لا يقبل التجزئة بشرائعه وأحكامه، كما قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (29) سورة ص. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ). . ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء إنه أعلم بالناس من خالق الناس ? أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ? أيستطيع أن يقول :إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس ؟ أيستطيع أن يقول: إن الله – سبحانه – وهو يشرع شريعته الأخيرة , ويرسل رسوله الأخير ; ويجعل رسوله خاتم النبيين , ويجعل رسالته خاتمة الرسالات , ويجعل شريعته شريعة الأبد یه. . كان – سبحانه – يجهل أن أحوالًا ستطرأ , وأن حاجات ستستجد , وأن ملابسات ستقع ; فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه , حتى انكشفت للناس في آخر الزمان ؟! ألم يكن هذا كله في علم الله ; وهو يأمر المسلمين أن يسيروا على منهجه , وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله ؟
إخوة الإسلام :إن الالتزام بما  شرع الله لنا  في كل شؤون الحياة أمر ضروري لصلاح هذه الحياة واستقرارها، ولابد ان نعرف بان حیاتنا إما حیاة إسلام وإما حیاةجاهلية . إما إيمان وإما كفر . إما حكم الله وإما حكم الجاهلية . .والذين لا يحكمون بما أنزل الله والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين . .إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم ;!أيها المسلون من مقتضى الإيمان بالله – تعالى -وعبادته: الخضوع لحكمه والرضا بشرعه، والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله واقوال اوصیائه المعصومین  عند الاختلاف في الأقوال، وفي العقائد وفي الخصومات، وفي الدماء والأموال، وسائر الحقوق، فإنَّ الله هو الحكَمُ وإليه الحُكمُ، وکما اشرت فی بدایه الخطبة بحثنا هذا الیوم یدور فی تعریف آفة اخری من آفات اللسان وهی الحكم بغير ما أنزل الله  وهناك رواية ترتبط باللسان لا بأس بذكرها كي نستفيد جميعنا من هذه الروايات.  ا ایها المومنون فعن السكوني عن الامام صادق(ع) عن النبي الاكرم(ص):«يُعَذِّبُ اللَّهُ اللِّسَانَ بِعَذَابٍ لَا يُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْجَوَارِحِ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ عَذَّبْتَنِي بِعَذَابٍ لَمْ تُعَذِّبْ بِهِ شَيْئاً فَيُقَالُ لَهُ خَرَجَتْ مِنْكَ كَلِمَةٌ فَبَلَغَتْ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا فَسُفِكَ بِهَا الدَّمُ الْحَرَامُ وَ انْتُهِبَ بِهَا الْمَالُ الْحَرَامُ وَ انْتُهِكَ بِهَا الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُعَذِّبَنَّكَ بِعَذَابٍ لَا أُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنْ جَوَارِحِك‏»(وسائل الشيعة18: 10)؛ان عذاب اللسان هو عذاب خاص فهو العذاب الذي قد خصه الله للسان يوم القيامة فهو عذاب يختلف عن جميع عذابات بقية جوارح البدن. وهذا يكون سببا لان نلتفت اكثر ونراقب لساننا، وان نحجم عن زیادة الكلام قدر المستطاع، و نجعل الصمت والسكوت عادة لنا، وطبعاً صعب جداً وهذا يحتاج الى التمرين والرياضة.اذا كان الانسان بامكانه ان يتكلم الا انه يضبط نفسه ولا يتكلم، ويحجم عن الكلام الزاید ويصمت ولا يتكلم. ويقول في ذيل الرواية: «فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ عَذَّبْتَنِي بِعَذَابٍ لَمْ تُعَذِّبْ بِهِ شَيْئاً» اي ان نفس اللسان يعترض نستجير بالله حقيقة. وهناك الوان للعذاب كثيرة ونفس العذاب الاخروي لا يمكننا ان ندرك معناه، فكيف بعذاب اللسان اللذي هو اشد. فيعلم انه يختلف كثير بحيث يمكن التفريق بينهما. فعذاب اللسان ليس موجودا بالنسبة الى بقية الجوارح «فَيُقَالُ لَهُ خَرَجَتْ مِنْكَ كَلِمَةٌ» فحينما يعترض هذا اللسان في يوم القيامة يجاب انه خرجت منك كلمة فلا يقال له تكلمت ساعة او عشر ساعات. «فَبَلَغَتْ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا»؛ وهذه الكلمة قد وصلت الى المشرق والمغرب «فَسُفِكَ بِهَا الدَّمُ الْحَرَامُ وَ انْتُهِبَ بِهَا الْمَالُ الْحَرَامُ وَ انْتُهِكَ بِهَا الْفَرْجُ الْحَرَامُ» فيقال للسان قد خرجت منك كلمة لها هذه الاثار، ثم يقول الله تعالى: «وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُعَذِّبَنَّكَ بِعَذَابٍ لَا أُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنْ جَوَارِحِك»؛ وخصوصا في زماننا هذا فان الانسان الذي تكثر فيه وسائل الاعلام لو تكلم بكلمة تنتشر هذه الكلمة بعد ساعة في جميع ارجاء العالم فكل من اراد ان يسمع هذه الكلمة يتمكن من ذلك فاذا تكلمنا بكلمة حللنا بها حرام الله فلها هذه الاثار. فاذا حرم الانسان حلالا بكلمة او يقول كلمة او يشهد بحيث يخرج المال عن كونه محترماً، او يتكلم كلمة بحيث يراق الدم لا سامح الله، علينا ان نراقب انفسنا جيداً، وعلينا ان نضبط لساننا. ويقول النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) في رواية اخرى: «مَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ فَكَأَنَّمَا عَمِلَ بِالْقُرْآن‏»؛و تعبير عجيب جداً من حفظ لسانه فكانما عمل بالقران الكريم. أي عمل بجميع القران الكريم واصبح من المتقين والصالحين الابرار. فمثل هذا الانسان لا يستغيب ولا يتهم، لا يكذب ولا يظلم وان سبب كثير من الذنوب انما هو اللسان. و«الصُّمت أرفع العبادة»؛ وقد رأينا في حالات العلماء والعرفاء  والصالحون احيانا يجلسون في مجلس ساعة أو ساعتين ما لم يسأل منهم شخص لا يتكلمون، واما نحن الان اذا ذهبنا الى مكان ورأينا شخص نظهر فضلنا وننفي الاخرين ونهتك الاخرين ولا سامح الله قد يصل الامر الى هتك المومن و المومنه ، وطبیعتا فانه في بعض الاحيان يقترح الانسان شيء او ينتقد شيئاً اخر في الاثناء و يكون مؤثراً فمثل هذا ضروري وهو واجب بعنوان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن فيما لو لم يكن للاشكال اي اثر ايجابي فلا بد ان نراقب كلامنا.وزماننا وللاسف اصبح هكذا، الثرثرة والكلام الفارغ كثير، وسوء الخلق كثير،. فعلينا ان نتذكر هذه الرواية فان قوله «لا يُعَذِّب» اي ان الله قد جعل للساننا عذاباً لم يجعله لاي جارحة اخرى من جوارحنا، فاذا تذكر الانسان هذه الرواية فعليه ان يتفكر قليلاً قبل حدیثه فلو فرضنا ان انسان لديه عيب ويكون الشخص الاخر في صدد اظهار ذلك العيب، فكم هذا العمل خيطر؟ واي عمل قبيح هذا؟ اليس الانسان عنده عيوب؟ فلو كان للانسان حقيقة وينظر الى ما لديه من العيوب والنقص فعليه ان ينظر ويفكر في حل مشاكله فمالك وعيب فلان؟ فان كنا اصحاب فهم ونظر فعلينا بمعرفة عيوبنا، فلنفكر في معالجة عيوبنا، فماذا بقي من عمر الانسان والزمان يمضي بسرعة بحيث يشعر الانسان كلما يمضي منه يوم انه قد وصل الى خط النهاية وهكذا يشعر في كل لحظة. ينبغي الالتفات الى انفسنا ولساننا، ومن الان نبدأ ونرى كم بامكننا السكوت، في البيت وفي المجتمع و في الجلسات، وعلينا ان نجلس ونفكر كم تكلمنا كلاماً صحيحاً؟ کم تکلمنا کلاما باطلا ؟ و«مَن أرَادَ أن يَسلَمَ فَليَحفَظ لِسانَه»؛ ‌.وهذا اللسان هو طريق لـ «تطهير القلب» وهو سبب ( لقذارة القلب) فالانسان حينما يتكلم بكلام وبمجرد ان يأخذ غيبة انسان يصير قلبه قذراً وبمجرد ان يتكلم على احد مباشرة يتكدر قلبه. فاذا توقف هذا اللسان اصبح هذا القلب اكثر طهارة وزينة ونظافة ويصل الانسان الى حد انه لا يتكلم الا في الموارد الضرورية.فاذا نحن وصلنا الى هذا الحد بحيث نلزم انفسنا، لا بمعنى ان ننذر بل نلتزم فحسب ان نتكلم في المسائل الضرورية ولا نتكلم في غير الموارد الضرورية ونحفظ السنتنا ان لا نحکم بین الناس بلا تحقیق و تدبر وهنا اشیر الی حدیثین فی باب الحکم  و القضاء بین الناس  ، یقول  رسول الله  مَنْ حَكَمَ فِي دِرْهَمَيْنِ بِحُكْمِ جَوْرٍ، ثُمَّ جَبَرَ عَلَيْهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اَلْآيَةِ: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ »  فَقُلْتُ وَ كَيْفَ يَجْبُرُ عَلَيْهِ فَقَالَ يَكُونُ لَهُ سَوْطٌ وَ سِجْنٌ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ فَإِذَا رَضِيَ بِحُكُومَتِهِ وَ إِلاَّ ضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ وَ حَبَسَهُ فِي سِجْنِهِ وسائل الشیعه ج 3 ص 370 والإمام الصادق (عليه السلام): القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة نسأل الله ان يتلطف علينا بان نتمكن ان نستعمل لساننا لعبادة الله والامور الضرورية فحسب وصلى الله على محمد و آله الطاهرين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *