صلاة الجمعة – 20 دیسامبر 2019

آفة اخری من آفات اللسان وهی  اظهار الکآبة بالسنتنا
 (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق: 5]. أما بعدُ: فأُوصيكمْ نفسي وإياكم بما وصانا الله تعالى به، کان بحثنا فی 73 خطبةمن الخطب السابقه حول آفات اللسان و حديثنا اليوم عن آفةاخری من آفات اللسان وهی  اظهار الکآبة بالسنتناایها المومنون  يواجه الإنسان في حياته الكثيرً من الازمات والمشكلات والتحديات والضغوط، الاجتماعية والوظيفية والمعيشية والمالية والصحية وغير ذلك.
فعلى الصعيد الاجتماعي قد يواجه الانسان ضغوطا ومشكلات في علاقاته الاجتماعية، في داخل بيته، مع زوجته أو أولاده، اوخارج بيته مع اقربائه او جيرانه او زملائه في العمل او مع من يتعامل معهم في الحياة العامة، وهذا النوع من المشاكل يؤثر في نفسية الانسان وخاصة إذا كانت المشكلة مع أهل بيته، فإن المشكلة اذا كانت داخل البيت ، مع الزوجة أو الاولاد اوالاقرباء القريبين هي اصعب وأشد إيلاما  وتأثيرا في نفسيته مما لو كانت المشكلة مع شخص آخر، بعيد عن بيته واقربائه  وعلى الصعيد الوظيفي والعملي فان اصعب ما يمر به الانسان هو الفقر او الجلوس عاطلا عن العمل ، ولا يجد عملا او وظيفة،او لا يكون قادرا على اكتساب الرزق وتحصيل المال وتوفير متطلبات الحياة.وقد يعيش الانسان على المستوى العائلی  اوضاعا صعبة وضيقا نتيجة الاوضاع بیته و عائلته  مما يشكل ضغطا ووضعا نفسيا صعبا على الناس وهذه  المشاكل ربما تسبب معاناة في صحته، كاصابته بمرض في جسمه، او بمرض نفسي، فيصاب بالاكتئاب أو الإحباط، او اليأس وطبیعتا یظهر لانسان الذی یبتلی بالکآبه او الاحباط آثار اشیر باثنی عشر نقطه من نقاط الکآبه 1 – الانسان الکئیب هو  إنسان عصبيٌّ وسريعُ الانفعال والغضب، وأُسْتَفَزُّ بسرعة.2 – دائم التوتُّر والقلق والتململ.3 – تظهر منه  حالات مِن الوسواس القهري أحيانًا في أمور متعدِّدة4- کما یشعر دائما بعدم الأمان فی وظيفته والأُسَرته  ومجتمعه5-فعند حُدوث مشكلةٍ صغيرة یتعامَل معها وكأنها كارِثة، ویحسب حساب كل صغيرة وكبيرة، وعندما يُطْلَب منه عمل شيءٍ معين، یفَكِّر فيه كثيرًا، وینهمك في التفكير في كيفية إنجازه.6- یكره تحمُّل المسؤولية، ولا یحِب المواجَهة، ویخشى الفشَل في كثيرٍ من المهام؛ مما ضيَّع منه كثيرًا مِنَ الفُرَص والتقدُّم الوظيفيًّ 7 – یمتنع عن إبداء الرأي والتعبير في كثيرٍ مِن الأمور؛ خشية الوقوع في الخطأ والانتقاد. 8- نظرته فی الامور  تشاؤُميَّة تجاه المستقبل.9 – متسلِّط في التعامل مع زوجته وأطفاله.10 – یحب العمل بسريَّة، وبعيدًا عن الأنظار، وبدون مراقَبة في أي شيء.
11 – یكره الأعمال الروتينيَّة و یبحث في التفصيلات، ولا یكتفي بالشيء المختَصَر.12 -یكره الانتظار وعجول فی عمله ، ویحاول أن ینجزَ الأعمال والواجبات بأقصى سرعة. هذه أهم المشكلات التي تعرضت لها. وطبیعتا الانسان الکئیب  ینشاء غالبا في بيئةٍ اجتماعية محافِظَة، مع شيءٍ من الحرمان في طفوليته، وشيءٍ من الضغوط مِن قِبَل والده او والدته؛ لان  أغلب تعامُلهما  معه:فقط جملة  لا تذهبْ، لا تخرجْ، لا تفعلْ! فكان هناك انعدامٌ في الحِوار بين أفراد العائلة؛ فوالده ووالدته من الذين لا يتقبَّلون منَّه أي شيء، فدائمًا الاولاد هم  المخطئون وهما الصواب، والولد عندما یتعرَّض لمشاكل، لا یستطيع أن یبوحَ بها لهما؛ خشية ردِّ الفعل،فهو  یحاول أن یحلَّها بنفسه، بدون تدخُّل منهما، إلا أنَّ هذا الأمر یكلَّفه كثيرًا مِن التعَب النفسيِّ، ومرارة العيش والفشَل في حل أغلب المشاكل. وتستمر هذه العلاقة إلى أن یتزوج، ثم یستقر في منزلٍ مستقلٍّ، وهذا ما یبحث  ویتمنی عنه منذ زمن، وهو الاستقلال والاستقرار، وبالرغم مِن الاستقلالية والاستقرار فإنَّ معاناته التي ذكرتُها في النقاط السابقة تُلازمه حتى هذا اليوم الی ان یفارق الدنیا وطبیعتا هو ینقل و یورث کآبته و حزنه لاولاده واهل بیته  بسبب عدم کفائته فی حیاته وهذه الازمات او بعضها قد یصادف الانسان في حياته وهناك الكثير من الناس يعيشون مثل هذه الازمات خصوصا اليوم في ظل ارض الغربة التي نعيش فيها بعيدا عن الاهل و الوطن  وهنا یطرح هذا السئوال كيف يواجه الانسان مثل هذه الضغوط ؟هل يواجهها بفقدان الامل واليأس؟ ام انه يواجهها بتحمل المسؤولية والاعتماد على الله في اموره؟؟.
البعض يواجه ضغوط الحياة بالإحباط، والاكتئاب واليأس والتأزم النفسي بحيث يصبح يشعر بالفشل وعدم جدوى الحياة، نتيجة مشاكله المادية، واوضاعه المعيشية او العائلية والاجتماعية فتضطرب حياته، بل قد يلجأ البعض إلى الانتحار، وهذا المرض حَسَبَ إحصائيَّة شملت دولاً عديدة في العالم بيَّنت أنَّ 20% من الإناث، و12% من الذُّكور مصابون باكتئاب أو تعرَّضوا لنوبة اكتئاب في حياتهم، وهي نسبة ليست بقليلة، وحسب الإحصائيات الحديثة هناك ‎%‎14 من سكان العالم يعانون من الاكتئاب الشديد، أما حالات الانتحار فحدث عنها ولا حرج، فوفقًا لأحدث بيانات مُنظمة الصحة العالمية الصادرة في 2018 ينتحر نحو 800 ألف شخص سنويًا، وهو عدد لا يستهان به؛ إذ ينتحر شخص كل 40 ثانية، ويبلغ المتوسط العالمي لعدد المُنتحرين 10.6 أشخاص من كل 100 ألف شخص.وقد تصدرت أوروبا مناطق العالم بمتوسط انتحار بلغ 15.4، لكل 100 الف وتاتي فرنسا فى الترتيب الثالث بعد فنلندا وبلجيكا فى معدلات الانتحار على المستوى الأوروبي.وفي تقرير للمركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ذكر: أنّ معدلات الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1999حتى عام 2016 ارتفعت إلى ‎%‎30، ويشير التقرير إلى أنّ سنة 2016م شهدت أمريكا 45 ألف حالة انتحار. وهناك ارتفاع في  معدلات الانتحار وسط الجنود الأمريكيين ایها الاخوه و ایتها الاخوات
 الاسلام يرفض اليأس ويرفض الانتحار ايا تكن الاسباب والظروف والضغوط التي يواجهها الانسان في حياته.
الإسلام يدعو الانسان الى الثقة بالله ويحثُّ على السعي والعمل والكفاح وعدم فقدان الأمل، ومقاومة  العجز واليأس والكسل، وكل أسباب الضعف.الإسلام لا يرضى للانسان الخضوع للعجز والاستسلام للأحداث وضغوط الحياة كريشة في مهب الريح.وحياة الإنسان مليئة بالأكدار والمشاكل التي تنغص الحياة وتجعلها جحيماً بعدما كانت نعيماً. والناس تجاه تلك المشاكل: إما مؤمّل بالخير والفرج وإما يائس من حصول الخير، ولكل شيء حكمة في شريعة الله، وعندما نتدبّر في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة نجد أنهما يدعوان دائماً إلى التفاؤل، وحسن الظن، وانتظار الفرج، والى الأمل مع الصبر، من دون جزع ولا فزع.الاسلام دائماً يدعو الانسان إلى أن يكون مستبشراً بالخير، مطمئناً بما قدره الله له وبما قسم له من الرزق، منتظراً الفرج من الله عز وجل، وقد نهى الله عن اليأس والقنوط مهما كانت الظروف والمصائب.
 (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر:53 (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) آل عمران:139ويقول عن لسان يعقوب وهو يامراولاده بالبحث عن اخيهم يوسف: (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف:87
أيوب عليه السلام، أقعده المرض، ولم يستطع احد من الاطباء شفاءه لكنه لم يياس بل رفع يديه وتضرع الى الله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء83-84
رسول الله صلى الله عليه واله يعلن ويقول: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ).فالمؤمن يجب ان يكون الأقوى في كل الأمور: في الإيمان، في العلم والعمل، وفي مواجهة المصاعب والمآسي والمصائب والآلام، وفي كل شؤونه، يجب ان يكون قوياً كي يستطيع أن يخرج من كثير من المشاكل والأزمات،  يجب ان يكون ايمانه بالله قويا وعندما يقع في ازمة يقول: قدر الله وما شاء فعل. فيرجع الأمور إلى الله ويلجأ اليه ويستمد القوة منه ولا يدع الإحباط واليأس يستولي على قلبه وشخصيته.
اليأس والتشاؤم ليسا من طبع المؤمن؛ لأن المؤمن يحسن الظن بالله عز وجل ويتوكل عليه، ويؤمن بقضائه وقدره، وحين يتعامل المؤمن مع الأحداث الهائلة التي تحصل له بمثل هذه الروح القوية، فإن الشدائد تتصاغر في نظره مهما عظمت، وتتولّد في نفسه قوة تعُينه على مواجهة الصعاب، وتجعله يتعامل معها بواقعية بحيث يضع الأمور في نصابها، من دون تهويل ولا مبالغة.].ومن رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أنه منَّ عليهم فمنحهم القوة على مواجهة ازمات الحياة، ووهبهم ما يعينهم على وضع الأمور في نصابها وأن تكون نظرتهم للحياة ايجابية ومعتدلة من غير إفراط ولا تفريط، وقد صور القرآن الكريم حال المؤمنين هذه بعد الآيات المتقدمة من سورة هود بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود:11].فالاطمئنان النفسي لا يحصل لدى الانسان إلّا بالإيمان بالله القادر على كلّ شيءٍ فانه حينما يؤمن الإنسان بالله القادر على كلّ شيء، الرحيم الرؤوف بعباده، ويعمق ثقته بالله وبرحمته فإنه يشعر بانه يستند الى قوة دعم تبعث الطمأنينة في النفس، ، كما ان الله تعالى يوجه الإنسان الى أن ينفتح عليه، ويلجأ اليه ويتوجه اليه بالدعاء يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾.لهذا نجد أنّ حالات الاكتئاب واليأس في المجتمعات المتدينة أقلّ وأخفّ منها في المجتمعات الأخرى، مع أنّ الضغوط الخارجية الحياتية كبيرة في المجتمعات المتديّنة، كما هو الحال في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية.والاسلام يرفض الانتحار فالقاعدة الشرعية في الإسلام هي تحريم قتل النفس لأي سبب ولا يباح لإنسان أن يزهق روحه كتعبير عن ضيق أو احتجاج أو غضب ایها الاخوه و الاخوات و ایها المومنون فی ختام هذه الخطبه اشیر الی ببعض امور لابد علی الانسان الکئیب  لمواجهة هذه التحديات والمشكلات أن یقوم بها وحْدَه؛ حتَّى یتخطي اكتئابه، ویعود لممارسة حياته الطبيعية؛ مثل  ممارسة الرِّياضة، فالرِّياضة لها أثر إيجابي في تحسين النفسيَّة؛ حيثُ إنَّها تساعد الجسم ، ومِنْ ثَمَّ تحسين المزاج والنفسية.و- مُمارسة أساليب الاسترخاء وهي كثيرة، منها تمارين التنفُّس العميق الذي يساعد على خفض مستوى التوتُّر والقلق، والانغماس في عمل یحب القيام به، والممارسه فی  العمل تطوعيًّا يخدم الإسلام والمجتمع، فالعمل التطوعي يزيد من إحساس الإنسان بقيمة ذاته، ويجعله يشعر بأنَّه إنسان ذو فائدة. ویعزِّز الثقته بالنفس، والبحث عن إنجازاته ونجاحاته السَّابقة مهما صغرت، والتذكَّربها  بفخر، والاعتراف بعيوبه وان یسمح نَفْسَه، ویعطيها المزيد من الفرص، وینظر للأخطاء لانه اصبح خبرة حتی یحميه من الوقوع في الفشل مجددًا، وان یعودذاته  بتقبَّل بعيوبه ومميزاته. وتعميق الإيمان في نفسه،و ان یصلِّ بخشوع أكثر، ویحافظ على النَّوافل، و قيام الليل، ولا یترك الدُّعاء أبدًا، إضافةً إلى أذكار الصباح والمساء، والداوم عليها جميعًا، وسیری انشاء الله الفرق في نفسه عجيب جدًّا،و لكن المهم أن تمارسها بإيمان ويقين وثقة بالله – عزَّ وجل وذلك يقوي الإيمان ويُعمقه في النفس فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، واحْرِصُوا عَلَى صِحَّةِ نُفُوسِكُمْ، كَحِرْصِكُمْ عَلَى صِحَّةِ أَبْدَانِكُمْ، فَالنَّفْسِيَّةُ المُحَطَّمَةُ تُوْهِنُ الجَسَدَ، وتُضْعِفُ العَزْمَ، وَعَلَيْـكُمْ بِطَلَبِ الدَّوَاءِ لِكُلِّ دَاءٍ، فَلِكُلِّ عِلَّةٍ طَرِيقَةُ عِلاَجٍ تُوْصِلُ – بِإِذْنِ اللهِ – إِلَى الشِّفَاءِ. عِبَادَ اللهِ :
((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ )).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *