خطبة الجمعة یوم 11 ذي القعده 1441

في الحادي عشر من شهر ذي القعدة من سنة 148 هجرية كانت ولادة الإمام الثامن من أئمة أهل البيت الإمام علي بن موس الرضا(ع) شمس الشموس وأنيس النفوس، الإمام الذي ملأ الدنيا علما ومعرفة وثقافة وإ، واغتنم كل فرصة لنشر علوم ومعارف الإسلام وترويج أحكام الله وشريعته المقدّسة، وهو العالم العارف الذي شهد بسعة علمه وغزارة معرفته القاصي والداني ، فقد وصف أحدهم الإمام (عليه السلام) قائلاً: ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ولا رآه عالم إلاّ شهد بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي أحد منهم إلاّ أقرَّ له بالفضل وأقرَّ على نفسه بالقصور ولقد سمعته يقول: كنت أجلس معهم في الروضة، والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليَّ بأجمعهم وبعثوا إليّ المسائل فأجبت عنها.

وروي أن محمّد بن عيسى اليقطيني – وهو من أصحاب الإمام – ذكر: أنّ ما جمعه من أجوبة الإمام الرضا (عليه السلام) عن مسائل سئل عنها يبلغ خمسة عشر ألف مسألة.

ومن أبرز خصائص الإمام الرضا ( عليه السلام ) ارتباطه بالله وتمسكه به وانقطاعه إليه، فقد كان ( عليه السلام ) أتقى أهل زمانه، وأكثرهم طاعة لله تعالى، وقد ظهر ذلك في كثرة عبادته التي مثلت جانباً كبيراً من حياته الروحية التي هي نور وتقوى وورع .

والعبادة عند الأنبياء والأئمة تمثل قمة التفاعل الوجداني والقلبي والعاطفي مع الله تعالى، فهم يستمدون العون والقوة والمدد من الله سبحانه وتعالى، وعبادتهم عبارة عن انقطاع تام إلى الله عز وجل، وارتقاء نحو عالم اللامادة وعالم الملكوت، حيث الخشوع والتذلل والخضوع والانقطاع التام إلى الله سبحانه وتعالى.

وعبادة الإمام الرضا (ع) هي كذلك، إنقطاع تام الى الله، وليست كعبادتنا التي يشوبها الكثير من النواقص، وعدم حضور القلب، وعدم الخشوع، وعدم الوصول إلى الانقطاع التام، وعندما نذكر عبادة الإمام وتقواه وورعه وانقطاعه إلى الله عز وجل فإنما نذكرذلك لا لنُمجد بالإمام فقط، بل من أجل الاقتداء به بقدر استطاعتنا ، ومن أجل تقديم قدوة حسنة في الإيمان والطاعة والعبادة لكل الأجيال الحاضرة والقادمة.

وقد أجمع الذين أرخوا لحياته وسيرته المباركة على أنه (ع) كان : قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح بالعبادة، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول ذلك صوم الدهر .

ويقول بعض أصحابه ( عليه السلام ) : ما رأيته قط إلا ذكرتُ قوله تعالى : (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ،وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الذاريات : 17-18 اي كانوا لا ينامون من الليل إلا قليلا، فكانوا يقضون معظم ليلهم بالاستغفار والعبادة.

ويقول رجاء بن أبي الضحاك عن عبادة الإمام الرضا(ع): «بعثني المأمون في اشخاص علي بن موسى عليه السّلام من المدينة، وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والاهواز وفارس، ولا آخذ به على طريق قم، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتى أقدم به عليه، فكنت معه من المدينة الى مرو، فوالله ما رأيت رجلا كان أتقى لله تعالى منه ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه ولا أشد خوفاً لله عزّوجل منه، وكان إذا أصبح صلى الغداة، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ويصلي على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم أقبل على الناس يحدثهم ويعظهم الى قرب الزوال، ثم جدد وضوءه وعاد الى مصلاه…وذكر صلاته في الليل والنهار وذكره الدائم لله وبعض أدعيته التي كان يدعو بها في قنوته وتعقيباته الى ان يقول:

وكان لا ينزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله فلما وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه، فاخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته.فقال لي: يا ابن أبي الضحاك، هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم، فلا تخبر احداً بما شاهدته منه لئلا يظهر فضله الاّ على لساني، وبالله استعين على ما أقوى من الدفع منه والاساءة اليه».هذه هي عبادة الإمام الرضا (ع)، انقطاع تام إلى الله تعالى، وذكر لله في كل الأوقات والأماكن، وقد اعترف المأمون بأن الإمام أعبد الناس، ودعاه خوفه من اطلاع الناس على الحقيقة إلى تحذير رجاء بن أبي الضحاك من إظهار عبادة الإمام (ع) للناس.وكما كان الإمام الرضا (ع) كثير العبادة في الحضر والسفر كان كذلك في السجن، فعندما كان في السجن لم يترك العبادة لحظة واحدة.

يقول عبد السلام بن صالح الهروي: «جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا (عليه السّلام) بسرخس وقد قيّد فاستأذنت عليه السجان، فقال: لا سبيل لك اليه، قلت: ولم؟ قال: لأنه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة، وانما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس، فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلاه ويناجي ربه، قال: فقلت له: فاطلب لي منه في هذه الأوقات إذناً عليه، فاستأذن لي، فدخلت عليه وهو قاعدٌ في مصلاه متفكراً، قال أبو الصلت: فقلت له: يا ابن رسول الله ما شيء يحكيه عنكم الناس؟ قال: وما هو؟ قلت: يقولون انكم تدّعون أن الناس لكم عبيد، فقال: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط ولا سمعت أحداً من آبائي قاله قط، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة وان هذه منها، ثم أقبل عليّ، فقال لي: يا عبد الله إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا فممن نبيعهم؟ قلت: يا ابن رسول الله صدقت، ثم قال: يا عبد السلام، أمنكر أنت لما اوجب الله تعالى لنا من الولاية كما ينكره غيرك؟ قلت: معاذ الله، بل أنا مقرّ بولايتكم».

وروى الصولي عن جدته خادمة الرضا (عليه السّلام) قالت: «كان (عليه السّلام) إذا صلى الغداة وكان يصليها في أول وقت ثم يسجد، فلا يرفع رأسه إلى أن يرتفع الشمس، ثم يقوم، فيجلس للناس أو يركب».

وقد ورد عنه (عليه السلام) في عبادته ايضا: أنّه كان يكثر بالليل من تلاوة القرآن فيختمه كلّ ثلاثة أيّام وكان يقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمت ولكنّني ما مررت بآية قط إلاّ فكّرت فيها، وفي أيّ شيء أنزلت، وفي أيّ وقت، فلذلك صرت أختم كلّ ثلاثة أيام.

وكان یجلس في مصلاه متفكراً معتبراً متأملاً في ملكوت السماوات والأرض؛ فالتفكر عند الإمام عبادة، إذ ینقل عنه قوله: لیس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة في التفكر في أمر الله عز وجل .

فمفھوم العبادة عند الإمام الرضا (ع) لا یقتصر على الصلاة والصیام وبقیة الشعائر الدینیة وإن كانت هذه الشعائر في صلب العبادة، بل یشمل أي عمل ُ یراد به التقرب إلى الله تعالى، فالتفكر عبادة، وطلب الرزق الحلال عبادة، وتعلیم الناس العلم عبادة، والتأمل في مخلوقات الله عبادة، وخدمة الناس عبادة.. وكل عمل او تصرف او سلوك فيه رضا لله تعالى، والھدف منه التقرب إلى الله تعالى فھو عبادة، له أجرها وفضلها وثوابها..

وأما أخلاق الإمام الرضا(ع) فيروي إبراهيم بن العباس عن أخلاق الإمام (عليه السلام) في تعامله مع الآخرين فيقول: ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وشهدت منه ما لم أشهد من أحد، ما رأيته جفا أحداً بكلام قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما ردَّ أحداً عن حاجة قدر عليها، ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط، ولا اتكى بين يدي جليس له قط .. ولا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسّم، وكان إذا خلا ونصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس.

نحن بحاجة الى أن نتعلم من علم الإمام وعبادته وأخلاقه لنحصن أنفسنا بالإيمان والطاعة والأخلاق والثبات والصبر في قبال الضغوط والتحديات المختلفة التي نواجهها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *