خطبه الجمعه رقم 82 فی یوم 24 جولای 2020المطابق 3 ذی الحجه 1441

خطبه الجمعه رقم 82 فی یوم 24 جولای 2020المطابق 3 ذی الحجه 1441

ایها المومنون و ایتها المومنات لقد تحدثنا خلال احدی وثمانین خطبه من خطب الجمعه حول آفات اللسان والیوم اشیر الی آفة مهم من أفات اللسان الا و هي الاصرار علی استمرار و تکرار الذنب والخطاء بلسانه و عدم الاعتراف والاعتذار عن الخطأ تکبرا و عنادا ومن باب المقدمة لخطبتنا و حدیثنا اعترف بهذه الحقیقه بان صدور الخطأ من الإنسان أمر طبيعي ومتوقع، فما دام ليس معصوما فهو معرض للغفلة وسيطرة الشهوة وغلبة الانفعال، وتلك هي أرضية الخطأ ومنشأ حدوثه.لكن الأمر المهم هو كيفية تعامل الإنسان مع خطئه. فهل يتعهد نفسه بالمراقبة والمحاسبة، ويراجع مواقفه وتصرفاته،ليكتشف أخطاءه وعثراته؟ أم يبقى مسترسلا سادرا تتكرر أخطاؤه وتتراكم دون اهتمام منه وانتباه؟ومن ناحية أخرى هل يمتلك شجاعة التراجع والاعتذار عن الخطأ؟ أم يصر عليه؟ أو يتهرّب من تحمل المسؤولية تجاهه؟وثم إن خطأ الإنسان قد يكون تجاه نفسه، أو تجاه ربه، أو تجاه الآخرين من المومنین وحديثنا الآن مخصص لبحث هذا القسم الأخيروحينما يحصل خلل في العلاقة بين الإنسان وآخرين، فإنه غالبا ما يتنصل من المسؤولية، ويحمّل الطرف الآخر وزر ما حدث، فهو يـبرء نفسه ويصدر حكما سريعا على الآخر بإدانته وتحميله مسؤولية الخلل.وهذا ينشأ من حب الذات، والدفاع عنها، والتعود على تبرير التصرفات والممارساتأما التفكير بموضوعية، والتعاطي بنضج ووعي، فهو يوجه الإنسان إلى اتهام ذاته أولا، ومحاسبتها على هذا الأساس حتى يثبت العكس.وإذا أخذ الإنسان هذه الفرضية بعين الاعتبار، وحاسب نفسه وناقش تصرفاته وتعامله، فقد يكتشف بالفعل أنه كان مخطئا بحق الآخر، أو أنه شريك في الخطأ، ويتحمل نسبة معينة منه.ويربينا القرآن على هذه المنهجيـة السليمـة في قـوله تعـالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [یوسف53] .واكتشاف الخطأ هو الخطوة الأولى في طريق المعالجة والإصلاح، أما الخطوة الثانية والأهم، فهي إعلان تحمّل المسؤولية أمام الطرف الآخر، والاعتذار إليه من وقوع الخطأ تجاهه.وهو موقف بطولي لا يصدر اختيارا إلا عن ثقة وشجاعة وعدالة وإنصاف.فالإنسان الذي يحترم نفسه لا يرى الخطأ جزءا من شخصيته حتى يصعب عليه الاعتذار عنه، بل يراه غبارا ووسخا يرتاح بإزالته والتخلص منه.وتحمّل مسؤولية الخطأ مظهر رفيع لالتزام العدل وممارسة الإنصاف، حيث يكون الإنسان في جانب الآخر مقابل ذاته. وكما يقول الإمام علي : «غاية الإنصاف أن ينصف المرء من نفسه» [ غرر الحکم ودرر الکلم ] .ويقول : «ألا إنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزاً» [ الأصول من الكافي ج2 ص144] . وهنا اطرح هذا السئوال ما هو الاعتذارو لماذا الاعتذار؟
الاعتذار يعني الإقرار بالخطأ، وطلب العفو والصفح من الطرف الآخر و إظهار ندم على ذنب تُقرّ بأن لك في إتيانه عذرا ومحو أثر الذنب والاعتذار سلوك حضاري يدل على احترام الإنسان لنفسه، وتقديره لغيره ولهذا في الأمم المتحضرة و العالم المتقدم، يسود هذا الخلق الحضاري، و على أعلى المستويات، لأن الأجواء العامة لديهم من سياسية وإعلامية وثقافية تدفع بهذا الاتجاه.فإذا ما حصل خلل أو خطأ في أداء أي مؤسسة أو جهاز فإن صاحب القرار فيها يعلن تحمله للمسؤولية، ويقدم اعتذاره، و قد يستقيل من منصبه.ففي كوريا الجنوبية مثلا أدى تصادم قطار مع حافلة إلى وفاة عدد من الركاب، قبل فترة، فأعلن وزير المواصلات اعتذاره عن الحادث، وقدم استقالته.وعلى مستوى الدول والأمم فقد أعلنت اليابان اعتذارها عن الفظائع التي ارتكبها جنودها ضد كوريا وتايلاند والصين إبان الحرب.كما قدمت ألمانيا الاتحادية عدة مرات اعتذارات رسمية للعديد من الدول الأوروبية ولليهود عن جرائم النازيين. وقدم الرئيس الأندونيسي عبدالرحمن وحيد اعتذاره عن العنف الذي مارسته القوات الأندونيسية ضد سكان تيمور الشرقية طيلة 24 عاماً من الاحتلال.وحتى رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا بولس الثاني أعلن اعتذاره عن الكنيسة والتجاوزات التي ارتكبها المسيحيون تجاه الأمم الأخرى، و في خلافاتهم الداخلية. وينطوي على فوائد وعوائد كثيرة من أهمها:1- الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه يشكل رادعا للإنسان عن تكراره، لأن الاقدام على هذه الخطوة يكتنفها ضغط وعناء نفسي، فليس سهلا على الإنسان أن يقف موقف الإقرار والاعتذار من الآخرين، فهو نوع من العقوبة الاختيارية يفرضها الإنسان على نفسه، مما يخلق لديه حساسية وحذرا من الوقوع في حالة مشابهة، ويجعله يعيد النظر في الأسباب والعوامل التي أوقعته في الخطأ، وذلك سبيل لإصلاح النفس ومعالجة سلبيات السلوك بعكس ما إذا مرّ الإنسان على خطئه مرور الكرام، ولم يشعر بأي مضاعفات أو نتائج مؤذية، فقد يستهين بالأخطاء حينئذ، ويستسهل ارتكابها.2- وهو محاولة لإصلاح الخلل الذي أحدثه الخطأ، وتدارك مضاعفاته على الآخرين، كما يشكل نوعا من إعادة الاعتبار لمن وقعت عليه الإساءة، وأداء لحقه. يقول الإمام علي :«حسن الاعتراف يهدم الاقتراف»[ بحار الأنوار ج74 ص420] .3- والاعتذار ينـزع فتيل الغضب من نفس الطرف الآخر، ويطفئ نار العداوة، ويحتوي الأزمة والتشنج. لإن أكثر النزاعات والخصومات المترتبة على تصرفات خاطئة يمكن حلها وتجاوزها عن طريق كلمة اعتذار رقيقة، تشيع في نفس الطرف الآخر الرضا، وتشعره بإعادة الاعتبار.
4- ولا يسود هذا الخلق الحضاري الرفيع إلا عبر المبادرة لممارسته من قبل الواعين الناضجين، إن التزام أي فرد به وخاصة إذا كان في موقعية مرموقة، يشجع الآخرين من حوله على التخلق به، فإذا رأى الأبناء شجاعة
أبيهم في الاعتذار إليهم عن زلل صدر منه تجاههم، فإنهم سيقتدون به في تعاملهم مع الآخرين، وإذا لاحظ العاملون في أي مؤسسة ان كبار الموظفين يتحملون مسئوليتهم تجاه الأخطاء ويعتذرون عنها، فإنهم سيسيرون على نفس النهج، وهكذا بالنسبة لسائر الموقعيات والمناصب القيادية في المجتمع.
وإن كل من يتمنى ويرغب أن يتعامل معه الآخرون بهذا الأسلوب المريح، عليه أن يبادر هو بانتهاجه مع الآخرين، ليترسخ كمبدأ في العلاقات الاجتماعية، وكقيمة أخلاقية سامية.

5- الفوز برضوان الله والأمن من عقابه يوم القيامة، وذلك بالتخلص من حقوق الناس وظلاماتهم، حيث تؤكد النصوص الدينية: أن الله تعالى لا يتساهل في حقوق الناس على بعضهم البعض، كما روي عن رسول الله : «أما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة» [ ميزان الحكمة ج5 ص601] .ومثله ما ورد عن الإمام علي : «وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد، وليس هو جرحا بالمدى، ولا ضربا بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه» [ ميزان الحكمة ج5 ص602] . وعن الإمام جعفر الصادق : «في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال: قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة» [ ميزان الحكمة ج5 ص349] .
وتشير عدة أحاديث مروية عن الرسول إلى أن أصحاب المظالم والحقوق يأخذون من حسنات الإنسان يوم القيامة، حتى إذا انتهت كل حسناته توضع عليه من سيئاتهم مقابل حقوقهم عليه [ كنز العمال ج3 ص506 حديث رقم 7642/7643/7644] .وإن بإمكان الإنسان أن يتخلص من كثير من الظلامات عبر لحظة اعتراف، وكلمة اعتذار، فيوفر على نفسه العناء والعذاب الشديد يوم القيامة. وهنا اطرح السئوال الثانی
لماذا يصعب على الكثيرين من الناس تدارك أخطائهم بتقديم الاعتذار إلى المتضررين؟ ولماذا التردد والامتناع عن انتهاج هذا المسلك الحضاري؟يبدو أن هناك خلفيات نفسية وثقافية واجتماعية يمكن اعتبارها عوائق وموانع من انتشار هذا الخلق الكريم.

أولا : التفكير والتصور الخاطئ بأن الاعتذار عن الخطأ تشكل حالة ضعف وهزيمة لشخصية الإنسان، وفي الحقيقة قد يكون ذلك صحيحا لأول وهلة، وفي الظاهر، لكن واقع الأمر، إنه يكشف عن ثقة بالنفس، وشجاعة في الموقف، وبالتالي فإنه كسب وانتصار للإنسان على المدى البعيد.

ثانيا : التعصب للذات بتبرير أخطائها والدفاع عنها حتى في الزلات والعثرات، وذلك ما يعبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد﴾ [ البقرة الآية206] .إنه لا يعترف على نفسه بالخطأ، ولا يقبل لذاته أن يكون في موضع الإقرار و الاعتذار، إنه المحق دائما و أبدا، والمصيب في كل مواقفه و تصرفاته، و إن كان في أعماق نفسه مدركا لباطله و انحرافه، لكن العزة الآثمة ، والعصبية الجاهلية لا تسمح له بالتراجع و التدارك.

ثالثا: التعالي والشعور بالرفعة والتفوق: وخاصة إذا ما أخطأ الإنسان تجاه من يعتقد أنهم أقل منه شأنا ومكانة، فإنه يأنف ويستثقل طلب المعذرة منهم.

رابعا: الثقافة العامة والأجواء الاجتماعية: حيث قد تسود المجتمع ثقافة التفاخر والتباهي، وأجواء العصبية والمزايدات، مما يجعل الأفراد منساقين ضمن هذا التيار العام.كما تتمظهر رواسب الثقافة الجاهلية في مجتمعاتنا بأشكال متعددة ومختلفة، على مستوى الأفراد والتجمعات والمجتمعات وعلی ای تقدیر بعد أن يقدم المخطئ اعتذاره، يجب علی طرف المقابل أن تقابل بخطوة إيجابية من الطرف الآخر، وهي قبول الاعتذار والصفح عن الإساءة، لتكون ثمرة الإصلاح والود يانعة ناضجة.ولماذا لا يقبل الإنسان عذر الآخرين، و هو معرض لأن يصدر منه ما صدر منهم؟
ونختم خطبتنا بقرائة خمس احادیث من لسان المعصو مین روي عن رسول الله أنه قال: «من اعتذر إليه أخوه المسلم من ذنب قد أتاه فلم يقبل منه لم يرد عليّ الحوض غداً»[ كنز العمال ج3 ص378 حديث رقم 703] .
وفي حديث آخر عنه : «من لم يقبل العذر من متنصّل صادقاً كان أو كاذباً لم ينل شفاعتي» بحار الأنوار ج74 ص47 .ويقول الإمام علي :«أعقل الناس أعذرهم للناس»(غرر الحکم و درر الکلم] .ويقول : «اقبل اعتذار الناس تستمتع بإخائهم» (غرر الحکم و درر الکلم].وورد عن الإمام علي ابن الحسين زين العابدين أنه قال: «ان شتمك رجل عن يمينك ثم تحوّل إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره» بحار الأنوار ج75 ص141.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *