مکارم الاخلاق عند الرضا عليه السلام

مکارم الاخلاق عند الرضا عليه السلام

لقد ورث الجواد عليه السلام مکارم الاخلاق من ابيه الامام الرضا عليه السلام وهي نفحة من روح الله، وهي تضارع أخلاق جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وقد حدث إبراهيم بن العباس عن سموّ أخلاقه (عليه السلام) بقوله:
(ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ما جفا أحداً قطّ، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردّ أحداً عن حاجة، وما مدّ رجليه بين جليسه، ولا اتّكى قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكه، وكان يُجلس على مائدته مماليكه ومواليه، قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى آخرها، كثير المعروف والصدقة في السرِّ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة..).
وهذه الأخلاق كأخلاق جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي طوّر حياة الإنسان، وأنقذ الأمم والشعوب من حياة التيه والتأخّر إلى حياة حافلة بالعزة والكرامة.
لقد روى المؤرخون صوراً رائعة من مكارم أخلاقه فقد رووا أنّه لما كان في خراسان وتقلد ولاية العهد، التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلامية بعد الخلافة فلم يأمر أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، وقد احتاج إلى الحمام فكره أن يأمر أحداً بتهيأته، ومضى إلى حمام في البلد لم يكن صاحبه يعرفه فلمّا دخل الحمام كان فيه جندي فأزال الإمام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ودخل الحمام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فذعر الجندي ووقع على الإمام يقبّل أقدامه، ويقول:(هلا عصيتني إذ أمرتك..).
فتبسّم الإمام في وجهه وقال له برفق ولطف:(إنها لمثوبة، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه..)(1).
ومن معالي أخلاقه أنه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السايس والبوّاب(2) وقد أراد بذلك القضاء على التمايز بين الناس، وإفهام المجتمع أنهم جميعاً على صعيد واحد، وقد اثر عنه من الشعر في ذلك قوله:
لبست بالعفّة ثوب الغنى وصرت أمشي شامخ الرأس
لست إلى النسناس مستأنساً لكنّني آنس بالناس(3)
إذا رأيت التيه من ذي الغنى تهت على التائه باليأس(4)
ما إن تفاخرت على معدم ولا تضعضعت لإفلاس(5)
ودلّل الإمام بهذا الشعر على مدى ما يتمتّع به من مكارم الأخلاق التي هي امتداد مشرق لأخلاق آبائه الذين أسّسوا الفضائل والمكارم في دنيا العرب والإسلام.

زهده:

وزهد الإمام الرضا (عليه السلام) في جميع رغائب الحياة، ومباهج الدنيا، واتّجه صوب الله تعالى، وحينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ولم يقم لها أي وزن، وقد اعتبر مشي الرجال خلف الرجل فتنة للتابع، ومذلّة للمتبوع فلم يرغب في موكب رسمي وكان من أبغض الأشياء وأشدها كراهية عنده أن يقابل بما يقابل به الملوك والخلفاء من مظاهر العظمة والأبّهة، وقد تحدث عن زهده محمد بن عباد قال: كان جلوس الرضا (عليه السلام) على حصيرة في الصيف وعلى مسح(6) في الشتاء ولباسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيا(7) ويقول الرواة إنّه التقى به سفيان الثوري، وكان الإمام قد لبس ثوبا من خز، فأنكر عليه الثوري ذلك وقال له: لو لبست ثوباً أدنى من هذا؟ فأخذ الإمام يده برفق وأدخلها كمّه، فإذا تحت ذلك الثوب مسح، وقال (عليه السلام) له: (يا سفيان الخز للخلق، والمسح للحقّ..)(8).
لقد كان الزهد في الدنيا من أبرز الذاتيّات في خُلق أهل البيت (عليهم السلام) فقد اتّصلوا بالله، وانقطعوا إليه، ورأوا أن غيره زخرف لا يُوصل إلى الحقّ.

سخاؤه:

ولم يكن في الدنيا شيء أحبّ إلى الإمام الرضا (عليه السلام) من الإحسان إلى الناس والبر بهم، فقد كان السخاء من عناصره ومقوّماته، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من كرمه وجوده كان منها ما يلي:
1 – إنّه أنفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان، وصادف ذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل وقال له: إنّ هذا لمغرم، فأجابه الإمام: (بل هو المغنم، لا تحدث مغرماً ما ابتغيت به أجراً وكرماً).
إنه ليس من المغرم في شيء صلة الفقير، والإحسان إلى الضعيف ابتغاء مرضاة الله، وإنما المغرم أن ينفق الإنسان أمواله بغير وجه مشروع، خصوصاً الإنفاق على ما لا يعود على المجتمع بفائدة.
2 – ومن كرمه أنه وفد عليه رجل فسلّم عليه، وقال له: أنا رجل من محبّيك ومحبي آبائك، مصدري من الحجّ، وقد نفذت نفقتي، وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي، فإذا بلغت تصدّقت بالذي تعطيني عنك، فقام (عليه السلام) ودخل حجرة في داره، ولم يلبث أن أخرج يده، وقال له: خذه هذه المائتي دينار، فاستعن بها في أمورك ونفقتك، ولا تتصدّق بها عني، وانصرف الرجل مسروراً قد غمرته نعمة الإمام، والتفت بعض الحاضرين إلى الإمام فقال له: لِمَ سترت نفسك عن الرجل وأخرجت يدك فناولته المال، ولم تره؟ فقال (عليه السلام):
(إنما صنعت ذلك مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه، لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيّئة مخذول، أما سمعت قول الشاعر:
متى آته يوماً لأطلب حاجة رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه(9)
3 – ومن بوادر سخائه أنّه مرّ به فقير فقال له:
(أعطني على قدر مروّتك)، فأجابه الإمام:(لا يسعني ذلك..).
والتفت الفقير إلى أنّه قد أخطأ في كلامه فقال:(أعطني على قدر مرؤتي..).
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:(إذن نعم..).
وأمر له بمائتي دينار(10).
إنّ مروءة الإمام لا تحدّ فلو أعطاه ما في الأرض فليس على قدر مروّته ورحمته التي هي امتداد ذاتي لرحمة الرسول الأعظم.
هذه بعض البوادر من كرمه وجوده التي لم يقصد بها إلاّ إدخال السرور على القلوب البائسة الحزينة التي أثقلتها مرارة الحياة وبؤسها.

علمه:

كان الإمام (عليه السلام) أعلم أهل زمانه وأفضلهم، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وقد تحدّث عبد السلام الهروي وهو ممّن رافق الإمام عن سعة علمه (عليه السلام) فقال:(ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في (الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا دعيّ الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إليّ المسألة فأجيب عنها..)(11).
وقال إبراهيم بن العباس:
(ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قطّ إلا علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب فيه، وكان كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كلّ ثلاثة أيام ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمته، ولكن ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها، وفي أي شيء نزلت وفي أي وقت فلذلك صرت أختمه في كلّ ثلاثة أيام..)(12).
لقد كان الإمام الرضا (عليه السلام) من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام، وهو ممّن صنع للمسلمين حياتهم العلمية والثقافية، والتحدّث عن قدراته العلمية يستدعي دراسة خاصة ومطوّلة عسى أن نوفّق لها إن شاء الله.

عبادته:

وكان الإمام الرضا (عليه السلام) من أعبد الناس، وأخلصهم في طاعته لله، وما ترك نافلة من النوافل ولا مستحباً من المستحبات، وقد فعل كلّ ما يقرّبه إلى الله زلفى، وقد حدّث رجاء بن أبي الضحاك عن مدى عبادته، وكان قد رافق الإمام في سفره من يثرب إلى خراسان، قال: والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ منه…)(13).
لقد أخلص الإمام الرضا في عبادته وطاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص فقد خُلِق للطاعة وخُلِق للعبادة، وتجرّد عن مباهج الدنيا وزينتها واتّجه صوب الله تعالى.

هيبته:

أمّا هيبته فكانت تعنو لها الجباه، فقد بدت عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك، وكان من هيبته إنّه إذا جلس للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته(14).

آراء وكلمات:

وأدلى فريق من العلماء والمؤلّفين بكلمات عن الإمام الرضا (عليه السلام) وهي تعرب عن إكبارهم وتعظيمهم له وفيما يلي بعضها:
1 – المأمون:
وأعرب المأمون في كثير من المناسبات عن إعجابه بشخصيّة الإمام الرضا (عليه السلام) وهذه بعض كلماته:
أ – قال المأمون لأسرته حينما لامته على عقده ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام): (أمّا ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن فما بايع له إلاّ مستبصراً في أمره، عالماً بأنّه لم يبق على ظهرها – أي ظهر الأرض – أبين فضلاً، ولا أطهر عفّة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضي في الخاصّة والعامّة، ولا أشدّ في ذات الله منه..)(15).
ب – قال المأمون: (الإمام الرضا خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأعبدهم)(16).
ولهذه الصفات الرفيعة الماثلة فيه قالت الشيعة بإمامته، وانّه ممّن فرض الله طاعتهم ومودّتهم على الناس.
2 – إبراهيم بن العبّاس:
وكان إبراهيم بن العباس ممّن رافق الإمام (عليه السلام) وقد تحدث عن معالي أخلاقه، وكان مما قاله فيه: (وكان كثير المعروف والصدقة في السرِّ، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله فلا تصدّقه)(17).
3 – عارف تامر:
قال عارف تامر: (يعتبر الإمام الرضا من الأئمة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية في عصره..)(18).
وكثير من أمثال هذه الكلمات التي عبّرت عمّا تميّز به الإمام من الصفات الرفيعة التي لم يتّصف بها أحد سوى آبائه الذين رفعوا علم الهداية في الأرض.

مدح الشعراء:

ونظم الشعراء الكثير من الشعر في معالي صفات الإمام الرضا (عليه السلام) ومكارم أخلاقه وفيما يلي بعضهم:
1- الصولي:
وهام الصولي(19) إعجاباً بالإمام فراح يقول:
ألا أنّ خير الناس نفساً ووالداً ورهطاً وأجداداً عليّ المعظّم
أتتنا به للحلم والعلم ثامناً إماماً يؤدّي حجّة الله تكتم(20)
2 – أبو نواس:
وتنسب هذه الأبيات الرائعة إلى أبي نواس، وقد قالها حينما عوتب على تركه لمدح الإمام الرضا فقال:
قيل لي أنت أوحد الناس طراً في فنون من المقال النبيه
لك من جوهر الكلام نظام يثمر الدر في يدي مجتنبه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى والخصال التي تجمعن فيه
قلت: لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه(21)
3 – عبد الملك بن المبارك:
قال الشاعر عبد الله بن المبارك في مدح الإمام:
هذا عليّ والهدي يقوده من خير فتيان قريش عوده(22)
لقد أجمع المسلمون بجميع طبقاتهم على إكبار الإمام (عليه السلام) وتعظيمه، والاعتراف له بالفضل.

إرغام الإمام على ولاية العهد:

وأرغم المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) على قبول ولاية العهد، وأكرهه على ذلك فهدّده بالقتل إن لم يستجب له، أما الأسباب التي دعته إلى هذا الإجراء فهي:
أولاً: النزاع الذي كان بينه وبين أخيه، مما أدى إلى اندلاع نار الحرب بينهما وانضمام معظم الأسرة العباسية إلى الأمين الذي كان أحبّ إليهم من المأمون، فأراد تقوية مركزه السياسي، وبسط نفوذه، فعقد ولاية العهد إلى زعيم العلويين وسيّدهم الإمام الرضا (عليه السلام) الذي يكنّ له المسلمون أعظم الولاء والتقدير، ويرون في شخصيّته امتداداً لشخصيّة جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله).
ثانياً: ثورة أبي السرايا.ثالثا: تصاعد المدّ الشيعي الذي أخذ بالاتّساع، فشمل أغلب أنحاء الدولة، فأراد المأمون بعهده للإمام (عليه السلام) أن يتخلّص من حركات الشيعة كما يقول ابن خلدون(23).
هذه بعض الأسباب التي دفعت المأمون إلى عقده لولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام) وكان على علم بأنّها صورية لا واقع لها، وممّا يدلّل على ذلك أنّه شرط عليه (أن لا يولّي أحداً،ولا يعزل أحداً، ولا ينقض رسماً ولا يغيّر شيئاً ممّا هو قائم، ويكون في الأمر مشيراً من بعيد)(24) ومن الطبيعي أنّه لو كان يعلم بصحّة نيّة المأمون، وسلامة اتّجاهه لما وقف هذا الموقف السلبي من حكومته، وتعاون معه في جميع المجالات.

خطبة المأمون:

ولمّا بايع الناس الإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد اعتلى المأمون المنبر فخطب الناس وممّا جاء في خطابه:
(أيّها الناس جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والله لو قرأت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرؤا بإذن الله عز وجل..)(25).

محافل الأفراح:

وأوعز المأمون إلى جميع ولادته وعمّاله على الأقاليم الإسلامية بإقامة المهرجانات العامّة، وإظهار معالم الزينة في البلاد، كما أمر الخطباء بإذاعة فضائل الإمام (عليه السلام) والتحدّث عن مآثر أهل البيت (عليهم السلام) وأقام في بلاطه مهرجاناً عامّاً حضرته جميع الأوساط الشعبية، وقد أجلس الإمام إلى جانبه فقام العباس الخطيب فخطب خطبة بليغة، وختمها بقوله:
لابدّ للناس من شمس ومن قمر فأنت شمس وهذا ذلك القمر(26)
تمّت بذلك هذه البيعة التي فرح بها العالم الإسلامي، وأعلن المسلمون تأييدهم لها فقد أيقنوا أنّها ستحقّق جميع آمالهم ورغباتهم.

مع الإمام الجواد:

ولابدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الإمام الجواد (عليه السلام) مع أبيه الإمام الرضا (عليه السلام).
قيامه بشؤون أبيه:وبالرغم من حداثة سنّ الإمام الجواد (عليه السلام) فقد كان هو القائم بشؤون أبيه ورعاية أموره خصوصاً ما كان منها بالمدينة(27).
ويقول المؤرّخون: إنّه كان يأمر الموالي، وينهاهم، ولا يخالفه أحد في ذلك وكان الإمام الرضا (عليه السلام) مسروراً بقيام ابنه بمهامه وشؤونه.

رسالة الإمام الرضا إلى الجواد:

وحينما كان الرضا (عليه السلام) في خراسان بعث إليه برسالة جاء فيها:
(يا أبا جعفر بلغني أنّ الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير، فإنّما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحد خيراً، فأسألك بحقّي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير، وإذا ركبت فاصحب معك ذهباً وفضّة ثمّ لا يسألك أحد إلاّ أعطيته ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين ديناراً ومن سألك من عمّاتك فلا تعطها أقلّ من خمسة وعشرين ديناراً، والكثير إليك، إنّي أريد أن يرفعك الله فانفق ولا تخشى من ذي العرش اقتاراً..)(28).
إنّ سجية الأئمة الطاهرين الكرم والإحسان إلى الناس، والبرّ بالضعفاء والفقراء، لقد لفت الإمام الرضا (عليه السلام) انتباه ولده إلى ما يصنعه الموالي معه من إخراجه من الباب الصغيرة في الدار لئلاّ يراه الفقراء حتى ينعم عليهم، وقد أمره (عليه السلام) بالخروج من الباب الكبيرة حيث يزدحم عليها الضعفاء والمحرومون. وعهد إليه أن يقوم بإكرامهم والانعام عليهم وقد كانت هذه الظاهرة إحدى العناصر الذاتية في أخلاق أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

نصّه على إمامة الجواد:

ونصّ الإمام الرضا (عليه السلام) على إمامة ولده الجواد، ونصبه خليفة من بعده ومرجعاً عاماً للمسلمين ليرجعوا إليه في شؤونهم الدينية، وقد روى النصّ على إمامته جمهور كبير من الرواة كان منهم:
1 – محمد المحموري:
روى محمد المحموري عن أبيه قال: كنت واقفاً على رأس الإمام الرضا (عليه السلام) بطوس فقال له بعض أصحابه:(إنّ حدث حدّث فإلى من؟).
وإنما سأله عن الإمام من بعده حتى يدين بطاعته والولاء له، فقال (عليه السلام) له:(إلى ابن أبي جعفر..).
وكان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) في مرحلة الطفولة، فقال له:(إني استصغر سنّه!!).
فردّ عليه الإمام هذه الشبهة قائلاً:(إن الله بعث عيسى بن مريم قائماً في دون السنّ، التي يقوم فيها أبو جعفر..)(29).
وحفل جواب الإمام الرضا (عليه السلام) بالدليل الحاسم فإنّ الله تعالى بعث عيسى نبيّاً وآتاه العلم صبياً وهو دون سنّ الإمام أبي جعفر، والنبوّة والإمامة من منبع واحد لا يناطان بالصغير والكبير وإنّما أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يختار لهما من أحبّ من عباده.
2 – صفوان بن يحيى:
وممّن روى النصّ على إمامة الجواد صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر عن القائم بعدك؟ فتقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهبه الله لك فأقرّ عيوننا، فإن كان كون، فإلى من؟ فأشار الإمام إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: هو ابن ثلاث سنين؟!! قال (عليه السلام): وما يضرّ من ذلك، فقد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقلّ من ثلاث سنين(30).
3 – معمر بن خلاد:
وروى معمر بن خلاد النصّ من الرضا (عليه السلام) على إمامة ولده الجواد قال: سمعته يقول لأصحابه: وقد ذكر شيئاً ثمّ قال لهم: ما حاجتكم إلى ذلك؟ هذا أبو جعفر أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني.. إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة(31) بالقذة(32).
4 – عبد الله بن جعفر:
ومن رواة النصّ على إمامة الجواد عبد الله بن جعفر قال: دخلت على الإمام الرضا أنا وصفوان بن يحيى، وأبو جعفر قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا: جعلنا الله فداك، ونعوذ بالله إن حدث حدث فمن يكون بعدك؟ قال (عليه السلام): ابني هذا، وأومأ إلى ولده الإمام الجواد – فقلنا له: وهو في هذا السنّ؟! قال (عليه السلام): نعم إنّ الله تبارك وتعالى احتجّ بعيسى وهو ابن سنتين(33).
5 – محمد بن أبي عباد:
وممّن سمع النصّ على الإمام الجواد من أبيه محمد بن أبي عباد قال: سمعت الإمام الرضا (عليه السلام) يقول: (أبو جعفر وصيّي وخليفتي في أهلي من بعدي)(34).
إلى غير ذلك من النصوص التي أثرت عن الإمام الرضا (عليه السلام) وهي تلعن إمامة الجواد من بعده، وأنه أحد خلفاء الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على أمته.

غدر المأمون بالرضا:

وبعدما استنفذت الأغراض السياسية للمأمون في بيعته للإمام الرضا (عليه السلام) رأى أن يغدر به، ويفتك بحياته، وعلينا أن نتحدّث – بإيجاز – عن الأسباب التي دعته إلى اقتراف هذه الجريمة وهي:
1 – الحسد:
وأترعت نفس المأمون بالحسد للإمام الرضا (عليه السلام) وكان سبب ذلك ما ظهر للناس من فضل الإمام وعلمه، وقد روى المؤرّخون أنّ المأمون أوعز إلى علماء الأقطار الإسلامية بالقدوم إلى خراسان لامتحان الإمام، وقد خاضوا معه مختلف المسائل الفلسفية والكلامية والبحوث الطبّية وغيرها، وقد خرجوا من عنده وهم يقولون بإمامته ويذيعون فضله وينشرون معارفه، ولما استبان للمأمون ذلك أوعز إلى محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عن مجلس الإمام(35) وقد كشف النقاب عن هذه الجهة أبو الصلت الهروي عندما سأله أحمد بن عليّ الأنصاري فقال له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه ومحبّته له وما جعل له من ولاية العهد؟ فأجابه أبو الصلت:(إنّ المأمون إنّما كان يكرمه ويحبّه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنّه راغب في الدنيا، فيسقط محلّه من نفوسهم فلمّا لم يظهر منه ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم، ومحلاً في نفوسهم، جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد فيسقط محلّه عند العلماء، ويشتهر نقصه عند العامّة، فكان لا يكلّمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية، ولا خصم من فوق المسلمين المخالفين إلاّ قطعه وألزمه الحجّة، وكان الناس يقولون: والله أنّه أولى بالخلافة من المأمون، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتدّ حسده(36).
إنّ الحسد من أخبث الأمراض النفسية وهو يفرز جميع الرذائل فقد ألقى الناس في شرّ عظيم وهو – من دون شكّ – قد دفع المأمون إلى اغتيال الإمام والفتك به.
2 – إرضاء العبّاسيّين:
وذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ المأمون إنما سمّ الإمام إرضاءً لعواطف بني العبّاس ومداراة لهم(37) فقد قامت قيامتهم حينما صار الإمام ولي عهد المأمون وخافوا على الخلافة أن تنتقل إلى آل عليّ (عليه السلام) وقد أراد المأمون أن يزيل ما في نفوسهم فاغتال الإمام (عليه السلام) بعد أن تّمت أهدافه السياسيّة.
3 – عدم محاباة الإمام للمأمون:
ولعلّ من أوثق الأسباب التي دفعت المأمون إلى اغتيال الإمام هو أنّ الإمام كان لا يُحابي المأمون، ولا يداريه، وكان دوماً يوصيه بتقوى الله وطاعته، ويحذّره العقاب في الدار الآخرة، وقد أدلى بهذه الجهة أبو الصلت الهروي، قال: كان الرضا لا يُحابي المأمون من حقّ، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك ويحقده عليه، ولا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله وقتله(38).
4 – صلاة العيد:ومن الأسباب التي أدّت إلى حقد المأمون على الإمام حديث صلاة العيد فقد طلب من الإمام أن يصلي صلاة العيد فامتنع الإمام من إجابته وأصرّ عليه المأمون فأجابه الإمام إلى ذلك إلاّ أنّه شرط عليه أن يصلّي بالناس كما كان جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي بهم ووافق المأمون على ذلك وأمر القوّاد وسائر الناس أن يبكّروا إلى دار الإمام، وخرج الناس بجميع طبقاتهم في الصبح الباكر وجلسوا في الطرقات، وأشرفوا من السطوح وهم يتطلّعون إلى خروج الإمام، وقام الإمام في الصبح فاغتسل لصلاة العيد، وتعمّم بعمامة بيضاء ألقى طرفاً منها على صدره، وطرفاً منها بين كتفيه، وأمر مواليه أن يفعلوا مثل ذلك، وخرج (عليه السلام) حافياً وبيده عكّاز وكان لا يسير خطوة إلاّ رفع رأسه فكبّر، وقد تخيّل إلى الناس أنّ الهواء وحيطان البيوت تجاوبه.
وكان القوّاد وسائر الناس قد تزيّنوا ولبسوا السلاح وتهيّأوا بأحسن هيئة كما كانوا يفعلون مع ملوكهم، وواصل الإمام مسيرته بتلك الهيئة التي تعنو لها الجباة، وقد رفع صوته قائلاً:
(الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا..).
ورفع الناس أصواتهم يدعون بدعائه، وهم يبكون، وقد تذكّروا في الإمام ما كان يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبان لهم ضلال أولئك الحكّام وأنّهم على غير الحق، وصارت مرو ضجّة واحدة، وسقط القوّاد من دوابهم ويقول بعض المؤرخين أن السعيد منهم من كان يعرف أحداً فيعطيه دابته ليوصلها إلى أهله.
وكان الإمام إذا سار عشر خطوات وقف فكبّر الله أربعاً، وتابعه الناس في ذلك، وقد علا منهم البكاء فقد رأوا في الإمام امتداداً ذاتياً لشخصيّة جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله) المحرّر الأكبر للإنسانية المعذّبة، وقد وصف البحري خروج الإمام إلى الصلاة بقوله:ذكروا بطلعتك النبي فهلّلوا لمّا طلعت من الصفوف وكبّروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً نور الهدى يبدو عليك فيظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع لله لا يزهو ولا يتكبّر
ولو أنّ مشتاقاً تكلّف غير ما في وسعه لمشى إليك المنبر(39)
وبلغ المأمون ما عليه الناس من الإكبار والتعظيم للإمام، فقال له الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا الحال افتتن الناس به، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فأرسل إليه المأمون أن يرجع فرجع الإمام(40).
هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون لحقد المأمون على الإمام وقد خاف على ملكه وسلطانه فصمّم على اقتراف أخطر جريمة في الإسلام، وهي تصفية الإمام (عليه السلام) جسدياً.

اغتيال المأمون للإمام:

ولمّا ضاق المأمون ذرعاً من الإمام عمد إلى اغتياله فاستدعاه وقدّم له عنقوداً من العنب كان قد سمّ بعضه فناوله له وقال: يا بن رسول الله ما رأيت عنباً أحسن من هذا؟ فردّ عليه الإمام:(ربما كان عنب أحسن منه في الجنة).
وطلب المأمون من الإمام أن يأكل منه، فتريّب الإمام، وقال له: (تعفيني منه؟).
فنهره المأمون وصاح به:(لابدّ من ذلك، وما يمنعك منه لعلّك تتهمنا بشيء؟).
وأرغم الإمام على تناوله، فأكل ثلاث حبّات، ورمى بالعنقود، وقد أثّر السم به في الوقت فقام من المجلس، فقال له المأمون:(إلى أين؟).
فرمقه الإمام بطرفه وقال له بنبرات حزينة مرتعشة:(إلى حيث وجّهتني – يعني إلى الموت -)(41).
وتفاعل السمّ في بدنه، وأحاطت به آلام الموت، فأرسل إليه المأمون رسولاً وقال له: قل له: ما توصيني به؟ وعرض على الإمام ذلك فقال (عليه السلام): قل له: (يوصيك أن لا تعطي أحداً ما تندم عليه)(42).وعرض الإمام بذلك إلى ما أعطاه المأمون له من ولاية العهد وما ألزم به نفسه أمام الله والأمّة ثمّ خلس بعد ذلك، والتفت الإمام إلى أبي الصلت قائلاً:(يا أبا الصلت قد فعلوها..)(43).
يشير بذلك إلى اغتيال المأمون له، وأخذ الإمام في تلك الفترة الرهيبة يعاني آلام السم، فقد تقطّعت أمعاؤه، وذابت حشاشته إلى جنّة المأوى:
ودنا الموت سريعاً من الإمام ليخمد تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت الحياة الفكرية والاجتماعية في دنيا العرب والإسلام، وكان الإمام في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بذكر الله لم تصدّه عنه آلام الموت، ولفظ أنفاسه الأخيرة مشفوعة بتوحيد الله وتمجيده، وقد ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها كما ترتفع أرواح الأنبياء والأوصياء تحفّها ملائكة الله ورضوانه، لقد ارتفعت روح الإمام إلى الله بعد أن أدّى رسالته الإصلاحية العظيمة في الذبّ عن دين الله، وحماية مبادئه وأهدافه.

المأمون ينعى الإمام:

وكتم المأمون موت الإمام الرضا يوماً وليلة، ثمّ أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادق (عليه السلام) وجماعة من آل أبي طالب، يأمرهم بالحضور عنده فلمّا مثلوا أمامه نعى إليهم الإمام، وأظهر لهم الحزن الشديد والأسى العميق وقام معهم إلى جثمان الإمام فأطلعهم عليه وأنّه لم يُضرب بسيف أو يُطعن برمح ثمّ خاطب الجثمان العظيم قائلاً:
(يعزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة، وقد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى الله إلاّ ما أراد..)(44).

تجهيز الجثمان العظيم:

وقام المأمون بتجهيز جثمان الإمام فغسله، وأدرجه في أكفانه وكتب إلى جميع أنحاء خراسان للفوز بتشييعه.
وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى تشييع جثمان الإمام، فكان يوماً مشهوداً لم تشهد خراسان بمثله، وتقدّم المأمون أمام النعش وجعل يخاطب الجثمان ليسمعه الناس قائلاً:(أي المصيبتين عليّ أعظم فقدي إيّاك أم اتّهام الناس لي..).
في مقرّه الأخير:وجيء بالجثمان تحت هالة من التهليل والتكبير، فواراه المأمون في مقرّه الأخير بجوار هارون الرشيد، وقد وارى أنصع صفحة من صفحات الرسالة الإسلامية التي أمدّت الناس بعناصر الوعي والفكر.. لقد دفن الإمام في تلك البقعة الطاهرة، وأصبح مرقده الشريف في خراسان مناراً للكرامة الإنسانية وهو أعزّ حرم وأمنعه في الإسلام، فما يعرف الناس ضريحاً لولي من أولياء الله له مثل تلك الحشمة والعزّة والكرامة، وقد استشفّ النبي (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب أنّ بعض أوصيائه سيدفن في خراسان فأعلن ذلك، وذكر ما يحظى به زائره من الكرامة والمثوبة عند الله، وقال (صلى الله عليه وآله): (ستدفن بضعة منّي بخراسان، ما زارها مكروب إلاّ نفّس الله كربته، ولا مذنب إلاّ غفر الله ذنبه..)(45). وقد نظم بعض الشعراء هذا الحديث الشريف ببيتين من الشعر وقد رُسِما على جدران المشهد الشريف وهما:
من سرّه أن يرى قبراً برؤيته يفرّج الله عمّن زاره كربه
فليأت ذا القبر إنّ الله أسكنه سلالة من رسول الله منتجبه(46)
وأثرت عن الإمام الجواد زيارة خاصّة لأبيه هذا نصّها:
(السلام عليك من إمام عصيب، وإمام نجيب، وبعيد قريب، ومسموم غريب..)(47).

فضل زيارته:

وأثرت عن الإمام الجواد عدّة روايات تحدّث بها عن فضل الزيارة لمرقد أبيه وما أعدّه الله للزائر من الأجر والثواب وهذه بعضها:
1 – روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: سمعت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: ما زار أبي أحد فأصابه أذى من مطر أو برد أو حرّ إلاّ حرّم الله جسده على النار..)(48).
2 – روى عليّ بن أسباط قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما لمن زار أباك بخراسان؟ فقال (عليه السلام): الجنة والله الجنة(49).
3 – روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: قلت لأبي جعفر: قد تحيّرت بين زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وبين زيارة قبر أبيك بطوس فما ترى؟ فقال لي مكانك، ثمّ دخل وخرج ودموعه تسيل على خدّيه، فقال: زوّار أبي عبد الله كثيرون، وزوّار قبر أبي بطوس قليلون(50).

تعازي المسلمين للإمام الجواد:

وحينما وافا النبأ المؤلم أهالي يثرب بوفاة الإمام الرضا (عليه السلام) هرعوا إلى الإمام الجواد فجعلوا يعزّونه بمصابه الأليم، ويشاركونه الأسى واللوعة، كما وفدت من سائر الأقطار وفود كثيرة، وهي ترفع تعازيها للإمام، وممّن وفد عليه الشاعر الكبير عبد الله بن أيّوب الخريبي، وكان من المتّصلين بالإمام الرضا (عليه السلام) والمنقطعين إليه، وقد رفع إلى الإمام الجواد هذه الأبيات الرقيقة:
يا بن الذبيح ويا بن أعراق الثرى طابت أرومته وطاب عروقا
يا بن الوصي وصي أفضل مرسل أعني النبي الصادق المصدوقا
ما لفّ في خرق القوابل مثله أسد يلفّ مع الخريق خريقا
يا أيّها الحبل المتين متى أغد يوماً بعقوبة أجده وثيقا
أنا عائذ بك في القيامة لائذ أبغي لديك من النجاة طريقا
لا يسبقني في شفاعتكم غدا أحد فلست بحبّكم مسبوقا
يا بن الثمانية الأئمّة غربوا وأبا الثلاثة شرقوا تشريقا
إنّ المشارق والمغارب أنتم جاء الكتاب بذالكم تصديقا(51)
كما وفدت عليه جمهرة أخرى من الشيعة وهي ترفع له تعازيها الحارّة وتواسيه بمصابه العظيم.

حيرة الشيعة:

وتحيّرت الشيعة كأشدّ ما تكون الحيرة في شؤون الإمامة بعد وفاة الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد كان سنّ الإمام الجواد ست سنين وأشهر(52) ممّا أدّى إلى اضطراب بعضهم ووقوع النزاع في صفوفهم فقد رأى بعضهم أنّ من كان بهذا السن لا يكون إماماً، وإنّ الإمامة لابدّ أن يتقلّدها الرجل الكبير، واجتمع فريق من الشيعة في بيت من بيوتهم، وكان من بينهم الريّان بن الصلت، ويونس، وصوفان بن يحيى، ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجّاج، وخاضوا مسألة الإمامة فجعلوا يبكون فقال لهم يونس: دعوا البكاء حتى يكبر هذا الصبي – يعني الإمام الجواد – فردّ عليه الريّان بن الصلت قائلاً:
(إن كان أمر من الله جلّ وعلا، فابن يومين مثل ابن مائة سنة، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه، وهذا ممّا ينبغي أن ينظر فيه..)(53).
وكان هذا هو الجواب الحاسم المركّز على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ كبر السن وصغره لا مدخليّة لهما في الترشيح لمنصب الإمامة الذي يضارع منصب النبوّة في أكثر خصوصيّاته، فإنّ أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يهبهما لمن يختار من عباده.

المصادر :
1 – نور الأبصار: ص 138.
2 – المناقب: ج 4 ص 361.
3 – النسناس: دابة وهمية على شكل الإنسان.
4 – التيه: الكبر.
5 – المناقب: ج 4 ص 361.
6 – المسح: الكساء من الشعر.
7 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص178، المناقب: ج 4 ص 360.
8 – المناقب: ج 4 ص 360.
9 – بحار الأنوار: ج 12 ص 28.
10 – المناقب: ج 4 ص 361 – 362.
11 – كشف الغمة: ج 3 ص 107.
12 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 180.
13 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 179.
14 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 179.
15 – حياة الإمام الرضا (عليه السلام): ص 143.
16 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 183.
17 – حياة الإمام الرضا (عليه السلام): ص 143.
18 – الإمامة في الإسلام: ص 125.
19 – الصولي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي كان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، توفي بسر من رأى، في منتصف شهر شعبان سنة (243 هـ) جاء ذلك في الكنى والألقاب: ج2 ص 432 – 433.
20 – مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 332.
21 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ص 142 – 143.
22 – المناقب: ج 4 ص 362.
23 – تاريخ ابن خلدون: ج 4 ص 9.
24 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 147.
25 – المصدر السابق.
26 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 146.
27 – ضياء العالمين: ج 2، من مخطوطات مكتبة الحسينية الشوشترية.
28 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 8.
29 – الدرّ النظيم، ورقة 218 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
30 – الفصول المهمة لابن الصباغ: ص 251، أصول الكافي: ج 1 ص 379.
31 – القذة: بضمّ القاف وفتح الذال ويش السهم، يقال: حذو القذة بالقذّة إذا تساويا في المقدار حيث يقدر كلّ واحد منهما على قدر صاحبه ويقطع ويضرب مثلاً للشيئين يتساويان.
32 – الفصول المهمة: ص 251، بحار الأنوار: ج 12 ص 103.
33 – بحار الأنوار: ج 12 ص 117.
34 – بحار الأنوار: ج 12 ص 104، إثبات الهداة: ج 6 ص 161.
35 – عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 172.
36 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 239.
37 – عيون التواريخ: ج 3، ورقة 227.
38 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 239.
39 – مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 372.
40 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 150 – 151، نور الأبصار: ص 143.
41 – عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 243.
42 – عيون التواريخ: ج 3، ورقة 227.
43 – الإرشاد: ص 355.
44 – الإرشاد: ص 355.
45 – الحدائق الوردية: ج 2 ص 219.46
47 – حياة الإمام الرضا (عليه السلام): ص 432.
48 – وسائل الشيعة ج 10 ص 437.
49 – وسائل الشيعة: ج 10 ص 437.
50 – وسائل الشيعة: ج 10 ص 442.
51 – مقتضب الأثر: ص 51.
52 – في كثير من المصادر أنّ عمر الإمام الجواد كان سبع سنين وأشهر.
53 – دلائل الإمامة: ص 250، فرق الشيعة: ص 59.

http://ar.rasekhoon.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *