خطبه الجمعه رقم 86 فی یوم 23اکتبر 2020المطابق 6 ربیع الاول 1442

خطبه الجمعه رقم 86 فی یوم 23اکتبر 2020المطابق 6 ربیع الاول 1442
ایها الإخوة والأخوات: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» لقد تحدثنا خلال خمس وثمانین خطبه من خطب الجمعه حول آفات اللسان والیوم اشیر الی آفة مهمه من أفات اللسان الا و هي المزايدة، فی الدین و المُزايَدة: هي المُغَالاَة وإظهار الإنسان أنه أفضل من غيره، بل ولمز غيره ممن هو خيرٌ منه بأنه لم يقم بالواجب، هذه الصفة قاتلة، تدل على أن المتصف بها لديه جهل في الدين، ونقص في العقل، ولها آثار سلبية، على الفرد ومن مظاهر حبّ الإنسان لذاته، ومن تجلّيات أنانيته، ممارسته للمباهاة والتفاخر، حيث يباهي الآخرين، ويدّعي بأنه أفضل وأحسن منهم، وهذا مظهر من مظاهر غريزة حبّ الذات ولاشک بان من المفيد أن يتنافس الإنسان مع الآخرين في عمل الخير وطاعة الله تعالى ، وأن يتطلع ليصبح أفضل منهم وهذا أمرٌ مطلوب في ذاته فقد حثّت الآيات القرآنيّة الكريمة على ذلك في مواطن متعدّدة لان الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا دارًا للتنافس، يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة الملك، الآية: 2].، ﴿وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُون‏﴾[ المطففون، الآية: 26.] .وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرات‏﴾[البقره 148] ، کما نلاحظ فی النصوص الروائيّة والأدعية الشريفة؛ حيث دفعت بالإنسان نحو التقدّم في عمل الخير وطاعة الله سبحانه كما جاء هذا المعنى في دعاء مكارم الأخلاق للإمام علي بن الحسين حيث قال: «اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَبَلِّغْ بِإيْمَانِي أكْمَلَ الإِيْمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلَى أَحْسَنِ النِّيَّـاتِ، وَبِعَمَلِي إلى أَحْسَنِ الأعْمَالِ»[ الصحيفة السجّاديّة: ص92.] .ومن هذه النصوص يظهر: إن على الإنسان أن يكون طموحاً لأن يكون أفضل من الأخرين تديّناً والتزاماً وسبّاقاً إلى الخير وطاعة الربّ.لكن السبيل إلى تحقيق ذلك هو العمل والإنجاز والعطاء، وليس عبر الادّعاءات الوهمية والخيالية،. لكن قد تنبثق للإنسان المؤمن بعض الأمراض التي تعيقه عن إنجاز هذه المهمة بخلوص نيّة وصفاء قلب، من قبيل: «التفاخر بالتديّن وازدراء تديّن الغير»؛ حيث نلاحظ إن البعض يرى في تديّنه الأفضل والأحسن والأنجع، ويكيل التهم لتديّن الآخرين وأديانهم، وما هذه إلا مزايدة باسم الدين.وقد تحمّلت النصوص الدينيّة مسؤولية ذمّ هذه المزايدة، وتقريع من يمارسها بشدّة وصلابة، وهي نصوص ربما لا تكون صحيحة الأسانيد بآحادها، ولكن من حيث مجموعها ومجملها نراها منسجمة مع قيم الدين ومقاصده ومفاهيمه کما روى عن رسول الله أنه قال:«وَيْلٌ لِلْمُتَأَلِّينَ مِنْ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ , وَفُلَانٌ فِي النَّارِ»[ كنز العمال: ج 3، ص559 , حديث 7902.] . والذي يُعني من التألّي على الله هو: إن الإنسان يُصدر حكماً على المستقبل الأخروي للآخرين، فيصنّف الناس على أساس قناعاته في: الجنّة والنار، ولا ندري من هو الذي منح له هذا الحقّ في تقرير مصير الآخرين؟!؛ إذ كيف يُسوَّغ له الحكم السلبي على عباد الله خصوصاً من يشاركونه في الدين والعقيدة.كما جاء في الرواية عن أبي ذرّ الغفاري: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْماً وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ.قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي تَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَ الْمُتَأَلِّي بِقَوْلِهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»[ وسائل الشيعة. ج15، ص336؛] .و نفهم من مجموع هذه النصوص إن التفاخر بالدين أمرٌ محظور ومنبوذ من الناحية الشرعيّة، لكونه من مصاديق الرياء؛ فإن الله لا يقبل من عبده المؤمن ـ مهما كانت درجة تديّنه وعبادته ـ أن يتفاخر محاولاً اكتساب السمعة والفخر بين الناس على أساس عمله الديني؛و إن مكمن الداء في أوساطنا هو إن البعض من المتدينين يمنحون لأنفسهم الحقّ في تصنيف الناس، وتوزيع الرتب والمواقع عند الله بوعي أو بدون وعي، وربما يحسبون إن هذا الأمر مهمة قد منحها الله جلّ وتعالى لهم، فيصدرون أحكاماً في نجاة هذا وهلاك ذاك، وفي فساد عقيدة زید وصلاح عقيدة عمر، وما هذه المزايدة إلا واحدة من المساوئ القائمة في حياة المسلمين الدينيّة؛ کما يظنّ البعض أنّ مجرد انتماءه الديني أو المذهبي يوفر له حصانة يوم القيامة، وكما يقول الشاعر:سودت صحيفة أعمالي ووكلت الأمر إلى حيدر!!!وهذا تفكير خطأ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ولا ينبغي أن ينخدع أحد بالأوهام والتمنيات، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [سورةالنساء، الآية:123].وقد حذّر أئمة أهل البيت شيعتهم من أن يتكلوا على انتمائهم وحبّهم لهم ورجاء شفاعتهم، فيتعمدون التقصير في الطاعة والإصرار على المعصية.ورد عن الإمام الباقر أنه قال لخيثمة الجعفي: «يَا خَيْثَمَةُ، أَبْلِغْ مَوَالِيَنَا: أَنَّا لَا نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَا بِالْوَرَعِ، وَأَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا، ثُمَّ خَالَفَهُ إِلى غَيْرِهِ»[ الكافي: ج 2، ص 175 ، وعن الامام الصادق انه قال لمحمد بن مسلم: «لَا تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، فَوَ اللهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ»[ الكافي، ج2، ص73،حدیث 1] .(حديث2.] کما ان البعض يعتقد أنّ ذنوبه ومعاصيه ستغفر؛ لأنه بكى على الإمام الحسين، أو لأنه زار الإمام الحسين وكذلك ما يردده البعض من شعر يقول:فإنّ النار ليس تمسّ جسمًا عليه غبار زوّار الحسين هل يصح أن نأخذ بيت شعر ونحوله لقاعدة شرعية نستوحي منه سلوكنا؟ هذا ليس آية قرآنية أو حديثًا عن المعصوم، إنّ لزيارة الحسين والبكاء عليه فضلًا، وإن لمحبة أهل البيت فضلًا، لكن ذلك كله يجب أن يقترن بالعمل الصالح، أما إذا افتقد الإنسان العمل الصالح، وافتقد الورع فليس لهذه الأماني أيّ قيمة، إذا كان يتجرأ على معاصي الله عامدًا عالماً مصرًّا فكيف يتمنى الشفاعة؟! ولنضع نصب أعيننا وصية الإمام الصادق لعبدالله بن جندب: «يَا بنَ جُندَبٍ، بَلِّغ معاشِرَ شيعَتِنا وقُل لَهُم: لا تَذهَبَنَّ بِكُمُ المَذاهِبُ، فَوَاللهِ لا تُنالُ وَلايَتُنا إلّا بِالوَرَعِ»[ تحف العقول، ص303.] .نعم، من أقدم على المعصية في لحظة من لحظات الضعف، ثم ندم وتاب يتوب الله عليه، وتشمله المغفرة، أما أن يعيش هذه الفكرة وينطلق منها، فعليه أن يعلم أنّها فكرة خطأ، يردها القرآن وتردها أحاديث أهل البيت ، وفي رواية صريحة عن الإمام الباقر يقول لجابر بن يزيد الجعفي: «يا جابر، أيكتفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فواللّه ما شيعتنا إلّا من اتقى اللّه وأطاعه) الشيخ الصدوق، الأمالي، ص ٧٢٥.فينبغي أن نكونَ حذرين من بعض الأفكار التي تخالف نصّ القران، وصريح كلام أهل البيت ، وماذا نفعل إذا كان رسول الله يقول لنا بهذه الصراحة: «مَعَاشِرَ النَّاسِ! قَدْ حَانَ مِنِّي‌ خُفُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي‌ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي‌ أُعْطِهِ إيَّاهَا! وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ فَلْيُخْبِرْنِي‌ بِهِ! مَعَاشِرَ النَّاسِ! لَيْسَ بَيْنَ اللَهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ شَي‌ءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْراً أَو يَصْرِفُ عَنْهُ بِهِ شَرًّا إلَّا العَمَلُ! أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ يَدَّعِي‌ مُدَّعٍ وَلاَ يَتَمَنَّى‌ مُتَمَنٍّ، وَالَّذي‌ بَعَثَنِي‌ بِالحَقِّ نَبِيًّا لاَ يُنْجِي‌ إلَّا عَمَلٌ مَعَ رَحْمَةٍ، وَلَوْ عَصَيْتُ لَهَويْتُ»[ الشيخ المفيد، الإرشاد، ج1، ص182 ] . النبي على عظمته يقول لو عصيت لهويت، وهو معصوم لا يعصي الله، لكنه يقول لو عصيت لهويت! فليست هناك حصانة واختم حدیثی بذکر ما نقله طاووسِ الفَقيهِ: رَأيتُ الإمامَ زينَ العابدينَ وهُو يَطوفُ مِن العِشاءِ إلَى السَّحَرِ ويَتَعبَّدُ، فلَمّا لَم يَرَ أحَدًا رَمَقَ السَّماءَ بِطَرْفِهِ، وقالَ: «إلهي، غارَت نُجومُ سَماواتِكَ، وهَجَعَت عُيونُ أنامِكَ، وأبوابُكَ مُفَتَّحاتٌ للسّائلينَ، جِئتُكَ لِتَغفِرَ لي وتَرحَمَني وتُرِيَني وَجهَ جَدِّي محمّدٍ في عَرَصاتِ القِيامَةِ». ثُمّ بَكى وقالَ: «وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ، ما أرَدتُ بمَعصيَتي مُخالَفَتَكَ، وما عَصَيتُكَ إذ عَصَيتُكَ وأنا بِكَ شاكٌّ، ولا بِنَكالِكَ جاهِلٌ، ولا لِعُقوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، ولكنْ سَوَّلَت لِي نَفسي وأعانَني على ذلكَ سِترُك المُرخي بهِ علَيَّ، فالآنَ مِن عَذابِكَ مَن يَستَنقِذُني؟! وبِحَبلِ مَن أعتَصِمُ إن قَطَعتَ حَبلَكَ عَنّي؟! فوا سَوأتاهُ غَدا مِن الوُقوفِ بَينَ يَدَيكَ، إذا قِيلَ لِلمُخِفِّينَ: جُوزوا، ولِلمُثقَلينَ: حُطّوا، أمَعَ المُخِفِّينَ أجوزُ، أم مَعَ المُثقَلينَ أحُطُّ؟! وَيلي! كُلَّما طالَ عُمري كَثُرَت خَطاياي ولَم أتُبْ، أما آنَ لي أن أستَحيِيَ مِن ربِّي؟!»، ثُمّ بكى وأنشَأ يقولُ: «أتُحرِقُني بالنّارِ يا غايةَ المُنى؟! فأينَ رجائي؟! ثُمّ أينَ مَحبّتي؟! أتَيتُ بأعمالٍ قِباحٍ زَرِيّةٍ وما في الورى خَلقٌ جَنى كجِنايَتي!»، ثُمّ بكى وقالَ: «سُبحانَكَ تُعصى كأنّكَ لا تَرى، وتَحلُمُ كأنّكَ لَم تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إلى خَلقِكَ بحُسنِ الصَّنيعِ كأنَّ بِكَ الحاجَةَ إلَيهِم، وأنتَ يا سيِّدي الغَنِيُّ عَنهُم»، ثُمّ خَرَّ إلَى الأرضِ ساجِدًا. قالَ: فدَنَوتُ مِنهُ وشُلتُ بِرأسِهِ ووَضَعتُهُ على رُكبَتي وبَكيتُ حتّى جَرَت دُموعي على خَدِّهِ، فاستَوى جالِسًا وقالَ: مَنِ الّذي أشغَلَني عَن ذِكرِ ربِّي؟! فقلتُ: أنا طاووسٌ يا بنَ رَسولِ اللهِ، ما هذا الجَزَعُ والفَزَعُ، ونَحنُ يَلزَمُنا أن نَفعَلَ مِثلَ هذا ونَحنُ عاصُونَ جانُونَ؟! أبُوكَ الحُسينُ بنُ عليٍّ، واُمُّكَ فاطِمَةُ الزَّهراءُ، وجَدُّكَ رسولُ اللهِ ! قالَ: فالتَفَتَ إلَيَّ وقالَ: «هَيهاتَ هَيهاتَ يا طاووسُ، دَعْ عَنّي حَديثَ أبي واُمِّي وجَدِّي، خَلَقَ اللّهُ الجَنَّةَ لِمَن أطاعَهُ وأحسَنَ ولَو كانَ عَبدًا حَبَشيًّا، وخَلَقَ النّارَ لِمَن عَصاهُ.ولَو كانَ ولَدًا قُرَشيًّا، أما سَمِعتَ قولَهُ تعالى: ﴿فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنْسابَ بَيْنَهُم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءلونَ﴾ واللهِ، لا يَنفَعُكَ غَدًا إلّا تَقدِمَةٌ تُقَدِّمُها مِن عَمَلٍ صالِحٍ»[ بحار الأنوار،ج46،ص81] والسلام علیکم ورحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *