خطبة الجمعة رقم 99 فی آفات اللسان فی موضوع المطابق 5 جمادی الولی 1443

خطبة الجمعة رقم 99 فی آفات اللسان فی موضوع المطابق 5 جمادی الولی 1443 المطابق 10 دسامبر 2021 *
عباد الله: اتقوا الله.ایها الإخوة والأخوات: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» لقد تحدثنا خلال سبع و تسعین خطبة من خطب الجمعه حول آفات اللسان والیوم اشیر الی آفة مهمه من أفات اللسان الا و هي الاعجاب المرء بنفسه الإعجاب في اللغة:السرور والاستحسان، والزهو والإعظام ومنه قوله تعالى:[ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا] {التوبة:25}.وفي الاصطلاح:الإعجاب بالنفس: السرور والفرح بالنفس، وبما يصدر عنها من أقوال أو أفعال من غير تعدٍّ على الآخرين، فإن كان هناك تعدٍّ على الآخرين باحتقار واستصغار ما يصدر عنهم، فهو الغرور، وإن كان هناك تعدٍّ على الآخرين باحتقارهم في أشخاصهم وذواتهم، والترفُّع عليهم فهو التكبُّر.ويبدأ العُجْب يسيطر على الإنسان فلا يمضي وقت طويل حتى يصبح أسير الغرور، والغرور صنو الكبرياء ومقدمته.وعندما يسود الغرور أفراد المجتمع، ويعم العُجْب طبقات الناس، يغلب الشر على هذا المجتمع، ويكون البعد عن الناس في ذاك الوقت خيراً وغنيمة. وأنَّ من سمات المجتمع الفاسد الذي لا يصلحه النصح، ولا يُجدي فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العجيب (إعجاب كل امرئ بنفسه).وبذلك هلكت الأمم السالفة إذا افترقت فرقاً، فكلٌّ معجبٌ برأيه، وكل حزب بما لديهم فرحون. وهنا اشیر الی سبعۀ أسباب الإعجاب النفس:1 ـ النشأة الأولى: ذلك أن الإنسان قد ينشأ في أسرة تحب المحْمَدة، ودوام تزكية النفس، بالحق أو بالباطل، تستعصي على النصح والإرشاد، فيحاكيها ويتأثر بها، ويصبح العُجْب جزءاً من شخصيته.2 ـ الإطراء والمدح في الوجه دون مراعاة للآداب الشرعية المتعلقة بذلك، وذلك أن هناك فريقاً من الناس إذا أطري أو مدح في وجهه ساوره خاطر: أنه ما مُدح إلا لأنه يملك من المواهب ما ليس لغيره، وما يزال هذا الخاطر يلاحقه حتى يصاب بالإعجاب بالنفس.وإنَّ من أقوى أسباب العُجْب كثرة مدح الناس، وإطراء المتملقين الذين جعلوا النفاق كسباً وعادة: ولاسيما والنفس ميالة لحب السماع والمدح والثناء 3 ـ صحبة نفر من ذوي الإعجاب بأنفسهم، فالإنسان شديد المحاكاة والتأثر، وعدوى الصاحب تصل إلى قرينه.4 ـ الوقوف عند النعمة ونسيان المنعم: كثير من الناس إذا حباه الله نعمة من مال أو علم أو قوة أو جاه، وقف عند النعمة ونسي المنعم،ويظن أنه ما أصابته هذه النعمة إلا لما لديه من مواهب وإمكانات، کما یقول الله جل و علا فی آلایۀ 104 من سورۀ الكهف { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. فيفرح بنفسه وبما يصدر عنها، وذلك هو الإعجاب بالنفس.ومصدر النعمة إنما هو الله عزَّ وجل: [وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ] {النحل:53} [وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {النحل:78} 5 ـ الغفلة عن حقيقة النفس، فالإنسان إذا غفل عن حقيقة نفسه، وأنها من ماء مهين خرج من مخرج البول، وأن النقص طبيعتها، وأن مردَّها إلى التراب، فتصير جيفة منتنة تنفر من رائحتها الكائنات، إذا غفل الإنسان عن ذلك، ربما خطر بباله أنه شيء، ويقوى هذا الخاطر حتى يصير معجباً بنفسه.ولذلك تحدَّث القرآن الكريم عن حقيقة النفس بدءاً ونهاية: [أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ] {المرسلات:20} ..[ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ] {عبس:21} [6 ـ عراقة النسب أو شرف الأصل: فيستحسن نفسه، ويتناسى أن النسب والأصل لا يقدِّم ولا يؤخِّر، والحق سبحانه يقول: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ] {المؤمنون:101}.7 ـ الإفراط والمبالغة في التوقير والاحترام: كدوام الوقوف وهو قاعد، وكتقبيل يده، والانحناء، والسَّيْر خلفه.. فتحدِّثه نفسه أنه ما حظي بهذا التوقير والاحترام إلا لما لديه من مواهب وخصائص.و هنا اشیر الی آثار الإعجاب بالنفس:للإعجاب بالنفس آثار سيئة وعواقب وخيمة، ومن تلك العواقب.1 ـ الوقوع في الغرور والتكبُّر، ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما يؤدي به الإعجاب إلى أن يهمل نفسه ولا يحاسبها، وبمرور الزمن يستفحل الداء ويتحوَّل إلى احتقار واستصغار ما يصدر عن الآخرين، وذلك هو الغرور، ويتحوَّل إلى الترفُّع عن الآخرين، واحتقارهم في ذواتهم وأشخاصهم وذلك هو التكبر.2 ـ الحرمان من التوفيق الإلهي. وذلك أن المعجب بنفسه ينتهي به الإعجاب أن يقف عند ذاته، ويعتمد عليها ويتناسى خالقة وصانعه ومدبِّر أمره والمنعم عليه بسائر النعم الظاهرة والباطنة، ومثل هذا يكون مآله الخذلان، وعدم التوفيق لأنه سبحانه لا يمنح التوفيق إلا لمن تجرَّدوا من ذواتهم، واستخرجوا منها حظ الشيطان، ولجؤوا إلى خالقهم تبارك اسمه وتعاظمت آلاؤه.3 ـ النفور والكراهية من الآخرين: ذلك أن المعجب بنفسه قد عَرَّض نفسه لمقت الله، ومن أبغضه الله أبغضه أهل السموات، فيوضع له البغض في الأرض، فترى الناس ينفرون منه ويكرهونه، ولا يطيقون رؤيته ولا سماع صوته.4 ـ العقاب والانتقام الإلهي عاجلاً أو آجلاً: ذلك أنَّ المعجب بنفسه يعرِّض نفسه بهذا الخلق إلى العقاب والانتقام الإلهي، فيصاب بالقلق والاضطراب النفسي، أو يؤجل له العذاب في الآخر و هنا اشیر الی مظاهر الإعجاب بالنفس:
1 ـ تزكية النفس: المظهر الأول من مظاهر الإعجاب بالنفس، إنما هو دوام التزكية للنفس، والرفع من قيمتها، مع نسيان قول الله عزَّ وجل: [فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] {النَّجم:32}.2 ـ الاستعصاء على النصيحة: بل النفور منها، مع أنه لا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة.3 ـ الفرح بسماع عيوب الآخرين لاسيما أقرانه: يقول الفضيل بن عياض: إن من علامة المنافق: أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه).
و هنا یطرح هذا السئوال ما هو الطريق لعلاج الإعجاب بالنفس:
1 ـ التذكير بحقيقة النفس الإنسانية: فقد خُلقت من تراب تدوسه الأقدام، ثم من ماءٍ مَهين يأنف الناظر من رؤيته، وسترد إلى التراب مرة أخرى، فتصير جيفة منتنة. وهي بين البدء والإعادة تحمل في بطنها العذرة، الفضلات ذوات الروائح الكريهة.2 ـ التذكير بحقيقة الدنيا والآخرة، فالدنيا مزرعة الآخرة، وهي إلى زوال والآخرة هي الباقية ودار القرار.3 ـ التفكر بالموت وما بعده من منازل وشدائد وأهوال.4 ـ التذكير بنعم الله تعالى التي تغمر الإنسان وتحيط به كما قال سبحانه:[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] {النحل:18} .وهذا التذكير يشعر الإنسان بضعفه وفقره وحاجته إلى الله.5 ـ الاطلاع على أحوال المرضى وأصحاب العاهات، والموتى في وقت غسلهم وتكفينهم ودفنهم، وزيارة القبور بين الحين والآخر.6 ـ محاسبة النفس أولاً بأول، والتعرف على العيوب في بداياتها ليسهل علاجها.7 ـ الانقطاع عن صحبة المُعْجَبين بأنفسهم، وملازمة المتواضعين العارفين أقدار أنفسهم.8 ـ دوام النظر في حياة المومنین ، وكيف كانوا يتعاملون مع أنفسهم، فإنَّ ذلك يحمل على الاقتداء والتأسِّي والمشابهة.9 ـ تعريض النفس بين الحين والآخر لبعض المواقف التي تقتل كبرياءها وتضعها في موضعها الصحيح، كأن يقوم بخدمة إخوانه الذين هم أدنى منه مرتبةً، ويحمل أمتعته بنفسه،
اخوانی و اخواتی علینا ان نعلم أن الإنسان مهما ظنَّ نفسه قوياً فهو ضعيف. ومهما حسب نفسه مصيباً فهو لابدَّ مخطئ، ولنتعاون على الخير والبر والتقوى، وليفترض كل واحد منا الخطأ في رأيه لأنه بشر، والبشر معرض إلى الخطأ.
أيها الاخوه و الاخوات
واعلموا يقينا أنه لا يسلم إنسان من نقص ، عدا الأنبياء و اربعه عشر المعصومین صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ، فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط ، وصار من السخف والضعف والرذالة والخسة ، وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم ، بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأراذل ، فليتدارك الانسان نفسه بالحث عن عيوبه ، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها ، وهنا اشیر ببعض الاحادیث فی مذمۀ العجب و الاعجاب بالنفس
یقول الامام امیر المومنین اقبح الصدق ثناء الرجل علی نفسه (غرر الحکم) و یقول فی حدیث آخر من مدح نفسه ذبحها (غررالحکم) وعن الامام أبی الحسن موسی بن جعفر الکاظم علیه السّلام، قال: سألته عن العجب الّذی یفسد العمل. فقال: العجب درجات، منها أن یزیّن للعبد سوء عمله فیراه حسنا، فیعجبه و یحسب أنّه یحسن صنعا.و منها أن یؤمن العبد بربّه فیمنّ علی الله تعالی و لله علیه فیه المنّ. اصول کافی، ج 2، ص 313،« کتاب ایمان و کفر»،« باب عجب» حدیث 3.
و یقول فی خطبه 193 من نهج البلاغه فی صفات المتقین : لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ
وخلاصة القول نقول للمعجب : ارجع إلى نفسك فإن العُجب سيئة تحبط كل حسنة، ومذمة تهدم كل فضيلة، نسال الله تبارک و تعالی ان یوفقنا بتهذیب التفوس و تطهیر القلوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *