صلاة الجمعة

صلاة الجمعة – 21 دیسامبر 2018

السلام علیکم و رحمة اله و برکاته

رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله مبدعِ الوجود خالقِ الکون والحیاة و أشهد أن لا اله الا الله لم یتخذ ولدا و لم یکن له شریک فی الملک و خلق کلَ شیء فقدّره تقدیرا. و أشهد أن محمدا عبده المنتجب و رسوله المصطفی، بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمین. اللهم صل علی محمد حبیبک و صفیک أَفضَلَ ما صلیت علی أحد من أنبیائک و أولیائک و علی آله الطاهرینَ الهداةِ المیامین.

عبادَ الله أوصيكم و نفسي بتقوى الله و اذکروا وقوفَکم بین یدیه یومَ القیامة یومئذ تُعرَضُونَ لا تَخفی منکم خافیة.

قال الله تعالی فی محکم کتابه

 إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

صدق الله العلی العظیم

هذه السنة من یوم 17 ربیع الاول مطابق 25 نوامبر حتی یوم 25 دیسامبر یعیش العالم بهجة و سرور احتفاء بذکری میلاد نبیین العظیمین و هما خاتم الانبیاء نبیینا محمد صلى الله عليه الذی احتفلوا المسلمون العالم بذکری میلاده الشریف قبل تقریبا شهر و نبی الله عیسی سلام الله علیه الذی یحتفل المسیحیون العالم فی هذه الایام بذکری میلاده الشریف.

توافق و اقتران هاتین المناسبتین فی اقل من الشهر و الحیاة فی هولاء البلدان الذین یعیشون اتباعهما مع من بعض و یواجهون مواجهات مختلفة مع بعض یدفعنا للحدیث عن العلاقة بین الاتباع هذین السفیرین العظمین. فهذه المهم دعتني الى أن أُخَصِصَ خطبةَ اليوم بتبیین هذه العلاقة التاریخیة بعد الصلاة علی محمد و آل محمد.

  

جاء في السيرةِ النَبوية أنه وَفَدَ إليه وَفدُ النجاشي فقام صلى الله عليه وسلم يَخدِمُهم بنفسِه، فقال له أصحابُه: نحن نَكفِيُكَ، يا رسول الله، فقال: “إنهم كانوا لأصحابِنا مُكرِمين وإني أُحبّ أن أُكافئَهم”[1] .

ثَمّة نحن نواجه  دلالات تاريخية عديدة حولَ نُشُوءِ علاقةٍ إيجابية بين المسيحيين والمسلمين منذ مَطلع الدعوة الإسلامية. ومن أوائل  تلك الدلالات، الهِجرةُ الإسلاميةُ الأولى إلى الحبشة، فحينَما اشتدّت الضغوطُ على المسلمين في مكة المكرمة، خلالَ السَنةِ الخامسة من البعثةِ النبوية الشريفة، شجّع رسولُ الله أصحابَه على الهجرة إلى الحبشة، البلدِ المسيحي، الذي كان يَحكُمُه النَّجَاشِيّ ، وجاء في السيرة النبوية أنه  خاطب ثمانينَ من أصحابه بالقول: “لو خرجتم إلى أرض الحَبَشَة ، فإنّ بها مَلِكًا لا يُظلمُ عنده أحد، وهي أرضُ صدق، حتى يَجعلُ اللهُ لكم فرجًا مما أنتم فيه”[2]  ، فخرجوا بقِيادة جعفرِ بن أبي طالب، متجهين إلى الحبشة بحرًا. وكما كان متوقِّعًا فقد استقبَل أهلُ الحبشة المسلمينَ المهاجرين، استقبالًا حسنًا. وفي ذلك إشارةٌ إلى طبيعة الأجواء الإيجابية السائدة بين المسيحيين في الحبشة آنئذٍ، الذين أتاحوا الفرصة لأتباع الديانات الأخرى للعَيشِ بينهم في أمنٍ وسلام، وأن يَظهروا إيمانَهم ويُمارِسوا عباداتَهم.

و وَرَدَ عن أم سلمة رضی الله عنها وكانت إحدى المهاجرات للحبشة قبل أن تكون زوجًا للنبي ، أنها قالت: ”  لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ ، النَّجَاشِيَّ , أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا ، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ  “[3] . وقد بَعَثَت قريش خلفَ المهاجرينَ المسلمين إلى الحبشة، فأَرسَلَت وَفدًا محُمَّلابالهدايا إلى النجاشي، طَمَعًا في أن يَطرُدَ المسلمين من بلاده ويُعيدُهم إلى مكة، غير أنّ تلك المحاولة باءت بالفشل، وبقی المهاجرون في الحبشة إلى حينِ عودتهم إلى المدينة المنورة إبّانَ فتحِ خَيْبَر  ، حتى قال النبي  قولتَه الشهيرة: “ما أدري بأيِّهما أنا أشدُّ فرحًا، بقدومِ جعفر أم بفتح خَيْبَر “[4] .

وعلى المقلب الآخر، قدّم رسولُ الله ، في عزّ انتصاره وقوته، أنموذجًا مُشرقًا على صعيد العلاقة الإيجابية بين المسلمين والمسيحيين. فقد قابل صَنيعُ النجاشي وأهلِ الحبشة مع أصحابه، في تعامله مع وفد النجاشي الذي وفد عليه لاحقًا في المدينة المنورة، إذ بخِلاف سائر الوفود، اِنبَرَى   لخدمة وفد الحبشة بنفسه(وَهَبَ نَفْسَه)، وحين عَرَضَ الأصحاب القيامَ بخدمة الوفد عارضهم  بالقول: “إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحبّ أن أكافئهم”. وفي ذلك   رد ٌّجميلٌ لموقفِهمِ الحسن، واستقبالِهم للمهاجرين المسلمين.

وعلى ذات المنوال، كان تعامل رسولِ الله ، لمّا جاءه وَفدُ نصارى نجران، فدخلوا عليه المسجد بعد صلاة العصر، فحانت صلاتُهم، فقاموا يُصلون في مسجده فأراد الناسُ مَنعَهم،هنا مسجد للمسلمین فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” دَعُوهُمْ ” ، فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ فَصَلُّوا صَلاتَهُمْ .[5] .

ایها الکرام

إنّ قيم الإسلام تَدفعُ باتجاه قيامِ العلاقة الإيجابية مع أتباع الديانات الأخرى. ومردّ ذلك إقرارُ الإسلام بأَصالة حرمة الإنسان وكَرامته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فالإسلام يقرّ بكرامة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن العِرق والدين واللون، كما يُقرُّ للبشر بالحرية الدينية، واختيارِهمُ الدين الذي يَرتَضَونَه لأنفسهم، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ناهيك عن أنّ الإسلام يقرّ الإيمانَ بجميع الأنبياء، باعتبارِذلك جُزءًا لا يَتَجَزَّأُ من العقيدة الإسلامية، فلا يُمكنُ أن يكتملَ إيمانُ مسلمٍ إذا ما تَنَكَّر لأيِّ نبيٍّ من الأنبياء السابقين على النبيِ محمدٍ ، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[سورة آل عمران، الآية: 84].

وتبعًا لذلك، يُقرُّ الإسلامُ بوجود الديانات الأخرى ويَعترفُ بكيانات أتباعِها. فلم يَعمِد إلى إجبارِ أتباع الديانات الأخرى على ترك عقائدهم، ولم يأمر بإِجلائِهم أو التعدّي عليهم ، وإنما تعامَلَ معهم  كما هم، وعلى دياناتهم، تحتَ شرطٍ واحدٍ فقط، هو المُسالمة وعدم العدوان، قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾[سورة الممتحنة، الآية: 8]. هذه هي المبادئ الإسلامية للعلاقة مع أتباع الديانات المختلفة.

وقد أَولَى الإسلامُ أهلَ الكتاب، من اليهود والنصارى والمجوس، معاملةً أشدّ خصوصية باعتبارهم أتباع ديانات سماوية. بالرَغمِ مما وقع من التحريف في أديانهم، ويكفي أنه تعالى أطلق عليهم وصفَ أهل الكتاب، وهو وصف يَنُمُّ عن الاحترام. علاوةً على ذلك، دعاهم إلى الحِوار والتوافق على المشتركات، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وقد أشاد الإسلام بالمسيحيين على نحو خاصّ، قياسًا على الآخرین الآخرین الذين تَعاطَوا مع الدعوة الإسلامية منذ البَدءِ تَعاطيًا سلبيًا، على النقيض من الموقف الإيجابي الذي أبداه المسيحيون من الدعوة: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾[سورة المائدة، الآية:82].

غير أنّ العلاقة بين المسيحية والإسلام أَخذت منعطفًا آخَر فيما بعد، على خِلاف ما كانت عليه عند بِدَاية  ظهور الإسلام. فقد شَقّ المسلمون طريقَهم كأمّة صاعدة، فيما اختار المسيحيون، ممثلين في حكوماتهم السياسية، الوقوفَ في وجه هذه القوة الإسلامية الجديدة، مما قاد لاشتعال الحروب بين أتباع الديانتين، بَدءًا من مَعركةِ مُؤْتَةُ في السنة الثامنة للهجرة، ثم تلا ذلك نُشوب معركةُ تبوك في السنة التاسعة للهجرة، التي لم يَقع خِلالَها اصْطِدامُ عسكريٍّ حقيقيٍّ بين الطرفين، لَتتابع بعدَها حالاتِ الصِراع والحروب بين المسلمين والمسيحيين، إلى أن استَطاعَ المسلمون بَسط َنفوذِهم على أنحاءٍ كثيرةٍ من العالم، من خلالِ الفتوحات الإسلامية، فيما تَراجعت القوة المسيحية.

هنا ينبغي الإشارة إلى ما شابَ الفتوحات الإسلامية من ممارسات لا تُعبَّرُ بالضرورة عن رأي الإسلام، ومردّ ذلك إلى مَن كان على رأس هذه الغَزَوات   من سياسيين وعسكريين، بعضُهم كانوا يمارسون الظلمَ والجَور على المسلمين أنفسِهم، فضلًا عن غير المسلمين.

 ثم جاءت مرحلةُ الحروب الصليبية التي شَنَّها المسيحيون ضدَّ الأراضي الإسلامية، لَيُعَقّبَها فيما بعد عهدِ الاستعمار الغربي لمعظم البلاد العربية والإسلامية. هذا ما يُلَخِّصُ على نحو سريع المُنْعَطَفاتِ التي شابت العلاقةَ الشائكة بين المسلمين والمسيحيين خلال القرون الماضية.

اَمّا بصِرف النظر عن أحداث التاريخ، يبدو أنّ الفرصة باتت مؤاتيةٌ لقيام ِعلاقةٍ أكثر  إيجابية بين الشعوب الإسلامية والمجتمعات الغربية المسيحية، في عصرنا الراهن.

وينبغي أن نضعَ بعين الاعتبار عاملًا مؤثرًا في العلاقة بين الغربيين والمسلمين، يتمثَّل في الهِجْرات الكبيرة لأبناء الأمة الإسلامية للدول الغربية، حيث باتت تلك الدول موطنًا للملايين من المهاجرين المسلمين، الذين وفدوا عليها لأسباب مختلفة من الاضطهاد الديني والسياسي والعرقي، أو الحِرمان الاقتصادي الواقعِ عليهم في بلادهم، فلما یجیئون هنا احتَضَنَتهم تلك المجتمعات، ووَفَّرَت لهم الأمن والاطمئنان، وأتاحت لهم الفُرَص، بما في ذلك ممارسةُ شعائرهم الدينية، فأقيمت هناك المساجد والحسينيات والمراكز الدينية والمدارس.

هذا احتضان الشعوب الغربية للمهاجرين المسلمين في عصرنا الراهن، باستقبال أسلافهم من مسيحيي ِالحبشة للمسلمين الأوائل.

فكان متوقّعًا أن تقوم في هذا العصر علاقات إسلامية مسيحية أكثر ايجابية وأهمية، حيث كان مَسارُ العلاقة يُمضي بهذا الاتجاه، فهناك فرق كبير بينَ مُناوِئَةِ المسلمين لسياسات الحكومات الغربية، وبين العلاقةِ مع شعوبِ تلك الدول.

صحيح أننا نعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ﴾، لكن ذلك لا يعني أبدًا إعطاءَ الضَوء الأخضر لممارسة الإساءة للأديان الأخرى. فقد وُرد عن النبي  أنه قال: “من آذى ذميًا فقد آذاني”[6] ، كما أمرنا الباري جل وعلا أن نُقابَلَ الناس كافةً بالإحسان، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ونهانا عن ظلم الناس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. أن مما لا شك فيه أن هناك مقولات تَسَلَّلَت إلى تراثنا الديني، إما باصطِناع واختلاقِ نصوصٍ مُزَوَّرة ، أو بإنتاج تفسير سَيءٍ لبعض النصوص يَعتمدُها بعضَ الفقهاء في إصدار فتاوى متشددة، وآراء مخجلة من الناحية الإنسانية في التعامل مع الآخر، والشواهد كثيرة معروفة، كالدعاء بالهَلاك على جميع اليهود والنصارى، دونما مبرّرٌ شرعي أو عقلي  يُبَرِّرُ هذا الدعاء، إذ من المفهوم أن يأتي الدعاء بالهلاك على الظالمين والمعتدين، لا أن يكون على عموم الناس لمجرّد كونهم من دين معيّن.

و فی النهایة نحن مطالبون أن نعيد النظر في تراثنا الديني، لجهة التعامل مع سائر البشر من الديانات الأخرى. كما أنّ على عاتقنا المسلمين الموجودين في الغرب على نحو خاصّ، القيام بمبادرات خلّاقةٍ لتحسين صورة الإسلام، وسُمعة الأمة، التي لَطَخَتها الممارسات الإرهابية، على أن يجری ذلك على نحو منهجي منظم، لا أن يأتي نتيجةَ ردود فعل على حَدَثٍ هنا، أو إساءة للإسلام هناك، سيمّا وأنّ الجماعات المتطرفة آلتٌ على نفسها إفسادِ العلاقة بين شعوب الأمتين الإسلامية والمسيحية، إمّا لجهلٍ وحَماقة، أو لأنها مَدفوعةٌ من جِهات مغرضة.

ولاننسی ایها الاعزاء بانّ لنا في رسول الله  أسوةٌ حسنةٌ في تعامله مع مسيحيي الحبشة، الذين وفدوا عليه في المدينة المنورة، وقد قال  فيهم: “.. وإني أحبّ أن أكافئَهم”.

نسال اللهُ سبحانه و تعالی ان یوفقنا للفهم الصحیح لدیننا و أن يُوفقنا لما فيه صَلاحُ دينِنا و یَعفُوَ عن ذنوبنا و يَغفرُ لنا و يَرحمُنا.

اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه و هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا

                                اعوذ بالله من الشیطان الرجیم

بسم الله الرحمن الرحيم

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذی عَلا فی تَوَحُّدِهِ وَ دَنا فی تَفَرُّدِهِ وَجَلَّ فی سُلْطانِهِ وَعَظُمَ فی اَرْکانِهِ، وَاَحاطَ بِکُلِّ شَیءٍ عِلْماً وَ هُوَ فی مَکانِهِ وَ قَهَرَ جَمیعَ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ وَ بُرْهانِهِ، حَمیداً لَمْ یَزَلْ، مَحْموداً لایَزالُ ، قُدُّوسٌ سُبُّوحٌ، رَبُّ الْمَلائکَةِ وَالرُّوحِ، کَریمٌ حَلیمٌ ذُوأَناتٍ، قَدْ وَسِعَ کُلَّ شَیءٍ رَحْمَتُهُ وَ مَنَّ عَلَیْهِمْ بِنِعْمَتِهِ.

اللهم صل و سلم و زد و بارک علی اشرف رسلک و انبیائک سیدِنا و حبیبِ قلوبنا و شفیعِ ذنوبنا و طبیبِ نفوسنا ابی القاسم المصطفی محمد،رحمة للعالمین

و علی نفس الرسول  صهرِه و وصیّهِ   اسدِ الله و اسدِ الرسول یعسوبِ الدین قائدِ غرِ المحجَّلین و امامِ المتقین امیر المومنین علی بن ابیطالب صلوات الله و سلامه علیه

و علی الوارثةِ الوحیدة لرسول الله بِضعةِ لحمه و مُهجةِ قلبه امِ ابیها فاطمةَ الزهراء صلوات الله علیها

و علی سبطین الامامین سیدی شباب اهل الجنة الحسن و الحسین صلوات الله علیهما

و علی ائمة المسلمین الامام علی بن الحسین زین العابدین

و محمد بن علی الباقر

و جعفر بن محمد الصادق

و موسی بن جعفر الکاظم

و علی بن موسی الرضا

و محمد بن علی الجواد

و علی بن محمد الهادی

و الحسن بن علی الزکی العسکری

و الخلف الحجة القائم المنتظَرِ المهدی

حججک علی عبادک و امناءک علی خلقک و صلّ على ائمّة المسلمين و حماة المستضعفين و هداة المؤمنين.

اللهم عَجِّلْ فَرَجَهُم بقائمهم و اجعلنا من خیر انصاره و اعوانه.

عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

جاء فيما أَوردَه الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد من خطبةٍ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب خَطَبَها (بذي قار) قال : «قَد جَرَت اُمورٌ صَبَرنا فيها، وفي أعيُنِنَا القَذى؛ تَسليما لِأَمرِ اللّه ِ تَعالى فيمَا امتَحَنَنا بِهِ؛ رَجاءَ الثَّوابِ عَلى ذلِكَ، وكانَ الصَّبرُ عَلَيها أمثَلَ مِن أن يَتَفَرَّقَ المُسلِمونَ، وتُسفِكَ دِماؤُهُم»[8]

  لاحظوا ایها الاخوان و ایتها الاخوات

الإمام علیه السلام يقول الصبر على ضِياع هذا الحقّ أمثَل ، أي أولى وأفضل من أن يتفرّق المسلمون وتُسفِكَ دِماؤُهُم ، هذا يقوله من يَهتمّ بوحدة المسلمين، وحماية دمائهم، أمّا أصحابُ النزعات السّلطوية والمطامع الدنيوية فلا يهمّهم ذلك، تَفرّقَ المسلمون أو اتّحدوا ,لكن عليًّا يهمّه ذلك.

ما يهمّنا الآن نشاهدُه فيما يرتبط بقضية الغدير، الإجابة عن تساؤل مُلِحٍّ يفرض نفسه، هذا التساؤل حول موقف الإمام عليّ  من عدم الدفاع عن حقّه بعد رسول الله ، هذا الحقّ الذي تُمَسّك به الإمام عليّ وتحدّث عنه مرارًا، لكنه لم يتّخذ إجراءً عمليًّا حقّه في الخلافة بعد رسول الله ، زوي عنه هذا الحقّ، فلم يقم بإجراءات وخطوات عملية للدفاع عن هذا الحقّ، بل دخل فيما دخل فيه الناس  و جاهد في خدمة مصالح الدين والأمة.

بالتأكيد لم يكن شاكًّا أو متردّدًا في حقّه، ولم تكن تنقصه الشّجاعة والبطولة، وهو الذي نقل عنه أنه قال: «لَو تَظاهَرَتِ العَرَبُ عَلى قِتالي لَما وَلَّيتُ عَنها»[5] .

إنه درسٌ عظيم يقدّمه الإمام عليّ صلوات الله وسلامه عليه للأمة،  ما نراه الآن في عددٍ من بلاد المسلمين من دمار وتخريب، وفقدان للأمن، وسفك للدماء، وانتهاك للأعراض، وتسليط للأجانب على الأوطان والشعوب، يوجب علينا التأمّل في هذا الدرس العلويّ.

أنّ الأولوية يجب أن تكون لحفظ المصلحة العامة، مع أنه مطلوب من الإنسان، أن يدافع عن حقوقه، وكذلك الجماعات الفئات والشعوب مطلوب منها أن تطالب بحقوقها، فهو أمر مشروع، لكن يجب أن يكون ذلك تحت سقف حفظ المصلحة العامة، أمّا إذا كان الدفاع عن بعض الحقوق يؤدي إلى ضياع مصالح الشعوب والأوطان، فإنّ الشرع والعقل يتوقف في ذلك؛ لأنّ هناك أولويات، وهذا هو ما فعله عليّ بن أبي طالب.

إننا في حاجة إلى وقفة تعقّل وتأمّل، على كلّ إنسانٍ أن يَدرُسَ موقفَ عليّ بن أبي طالب ، وأن يكونَ التضحيةُ بالحقوق الخاصة من أجل حمايةِ الحقوق العامة،

وهذا هو ما يُمليهُ علينا موقف  عليِّ بن أبي طالب، وهذا ما يجب أن يعمل ويدعو له جميعَ الواعين المخلصين،

 ونسأل الله تعالى أن يحقق ذلك وأن يَكشِفَ هذه الغمّة عن هذه الأمّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى