خطبه الجمعه رقم 84 فی یوم 18سپتامبر 2020المطابق 29 محرم 1442
خطبه الجمعه رقم 84 فی یوم 18سپتامبر 2020المطابق 29 محرم 1442
قال الله تعالی “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” 27 سورة الأنفالایها الإخوة والأخوات: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» لقد تحدثنا خلال ثلاث وثمانین خطبه من خطب الجمعه حول آفات اللسان والیوم اشیر الی آفة مهم من أفات اللسان الا و هي عدم حفظ امانة واسرار الناس بالسنتنا ، لاشک فی أهمية الأمانة في الإسلام وأنها “من أهم المقدسات والقيم الأخلاقية التي دعى إليها ديننا الحنيف، ونجد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي أكدّت عليها، بل وتؤكد على الربط بين الإيمان وقيمة الإمانة مستشهدا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون” 8 – سورة المؤمنون.وأضاف “أداء الأمانة يعتبر من أهم القيم الإنسانية التي يتصف بها الإنسان المؤمن، فلا يمكن أن يكتمل إيمان الفرد بدون أن تكون صفة الأمانة متأصلة في سلوكه، والإيمان بدون الأمانة يعتبر ناقصا مآخذ عليه شرعاً ومحاسب عليه أمام الله عز وجل”، لافتا إلى أن للإمانة “مفهموم عام وهو كل مايؤتمن به الإنسان، فهناك أمانة الفكر والعقيدة، وأمانة السلوك وطاعة الله سبحانه وتعالى كما في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” 72 – سورة الأحزاب.وتابع “هذه أمانة الإيمان وطاعة الله عز وجل، وهناك أمانة الولاية للرسول الأعظم (ص) في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ”، مشيرا إلى أن “هذه الآية لم تفصل بين أمانة طاعة الله وطاعة الرسول الأعظم حيث أن الخيانة هنا خيانة واحدة لا انفصال بين أمانة الرسول وأمانة الله فمن خان الرسول فقد خان الله عز وجل”. وأن “الآية قد شملت المفهوم العام للأمانة (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) فهناك أيضا أمانة المال وأمانة العرض وأمانة العلاقة الزوجية هذه الخيانة هي نقيض الأمانة وأداؤها التي أؤتمن بها وعليها الزوج وكذلك الزوجة، وأمانة المجالس أيضاً عندما يكون هناك حديث خاص بين أفراد محددين بحيث يكون هذا الحديث سرا بينهم فإن كشف هذا السر يدخل ضمن خيانة الأمانة”.كما أن “الأمانة هي مقياس لحقيقة الإيمان، وهناك إشارات كثيرة من الروايات الشريفة حول عدم الإغترار بالتدين الشكلي، فلا يقاس التزام المرء من خلال كثرة ركوعه وسجوده، وإنما هناك موازين يقيّم بها الإنسان، ومن أهم تلك الموازين الإيمانية هي أداء الإمانة”، مستشهدا بقول الإمام الصادق(ع) “لاتنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيئا اعتاده فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء الأمانة ولابد من المحافظة على أسرار الناس التي تكون في مجالسهم الخاصة فكشف الأسرار قد يؤدي إلى فتن ومشاكل بين الناس وخصومات، فكم من فتنة تحدث بين أشخاص ومجتمعات بسبب إفشاء الأسرار ومعنی إفشاء السرّ واضح لإنّ الإفشاء والإذاعة يأتيان بالمعنى المقابل للكتمان، ويدوران حول السرّ الذي لا يرضى صاحبه بكشفه وإظهاره، سواء كان قولاً أو فعلاً أو حالةً.وهنا اشیرالی أسباب إذاعة السرّ: إنّ دوافع الإنسان لإذاعة أسرار الآخرين عديدة، فقد تكون للانتقام منه لما يُسبِّبه إفشاء سرّه من تعريضه للإهانة له والتنكيل به وما شابه، وقد تكون بسبب عقدة نقص لدى المذيع، فيريد من إذاعة الأسرار إعلام الآخرين بأنّ لديه معلومات ومعرفة وإطلاع أكثر من غيره، وقد يكون بسبب جهله وعدم إدراكه بالمفاسد المترتِّبة على ذلك الإفشاء، وقد يكون بدواعٍ أخرى تنطلق من عدم كمال العقل أو نقصان في الإيمان، ولعلّه لذلك أكّدت الأحاديث على أنّ الكتمان من صفات أهل العقل والإيمان.والاحسن هنا ان اشیر الی بعض أنواع الكتمان المطلوب :القسم الاول من انواع الکتمان المطلوب هو كتمان سرّ نفسه:دعت الأحاديث الشريفة الإنسانَ أن يكون حافظاً لسرِّه في موردين: المورد الاول الأول: حينما يتعلّق نجاح عمله بالكتمان، وهذا له مصاديق كثيرة في أعمال الإنسان التي قد لا تحقّق أهدافه بسبب تدخّلات الناس الذين يعلمون بالأمر، لذا ورد عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: “أنجح الأمور ما أحاط به الكتمان( الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، ص ١٢٣) وسبب ذلك أنَّ علم الآخرين بسرِّ عمله يُكثر من المؤثّرين به، وبالتالي لا يعود مسلَّطًا على تحقيق النجاح، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: من كتم سرّه كانت الخيرة بيده
( الصدوق، محمد، الأمالي، ص ٣٨٠)المورد الثاني: حينما يكون إفشاؤه لسرِّ نفسه يؤثِّر سلبيًّا على كرامته وسمعته ونظرة الآخرين إليه، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الله عزّ وجلّ فوّض للمؤمن أموره كلّها، ولم يفوِّض إليه أن يذلّ نفسه.. (الكليني، محمد، الكافي، ج٥، ص ٦٣..) من هنا ينبغي على المؤمنين عدم التحدُّث عن ماضيهم السيِّء، حتى ولو أرادوا أن يبيّنوا بذلك أنّهم قد اهتدوا إلى الإيمان بعد الضلال إضافةً إلى أنّ حفظ الإنسان لسرِّ نفسه يعزِّز فيه منقبة كتمان السرِّ بالنسبة للآخرين ففي الحديث: “من ضعف عن سرِّه لم يقوَ لسرِّ غيره”(الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج٢، ص ١٢٨٢..) اما القسم الثانی من انواع الکتمان المطلوب هوالأسرار العائلية:كثيراً من الأحيان يصدر من الإنسان في محيط عائلته الخاصّ تصرّفات وأقوال لا يفعلها خارج العائلة، ولا يرضى بمعرفة الآخرين عنها، كما أنه قد يُدلي ويُفضي بأمور خاصّة تعدّ من الأسرار العائليّة، وهذا ما يجب الالتفات إليه من جميع أفراد الأسرةوقد حذَّرت الأحاديث الشريفة من هذا الأمر، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ من شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي، إليه ثم ينشر أحدهما سرَّ صاحبه( الشعراني، عبد الوهاب، العهود المحمدية، ط٢، مصر، مصطفى البابي، ١٣٩٣هـ، ص ٧٦١. العجلوني، اسماعيل، كشف الخفاء، ط٣، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨هـ، ج٢، ص)ولا بدّ من التأكيد عن هذا الأمر حين حصول خصومة بين الزوج والزوجة، أو طلاق، فمن القبيح والمعيب على الإنسان حينما يخرج من حالة الوئام مع الآخر، وتحصل خصومة بينهما أو طلاق أن يتناوله بفضح عيوبه وأسراره. اما القسم الثالث من انواع الکتمان المطلوب: كتمان أسرار الآخرين عن الإمام الصادق عليه السلام: “المجالس بالأمانة، وليس لأحدٍ أن يحدِّث بحديث يكتمه صاحبه إلاّ بإذنه، إلا أن يكون ثقة أو ذكرًا له بخير( الفيض الكاشاني، محمد، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ط٢، قم، مهر، (لا،ت)، ج٣، ص329. فعلى الطبيب أن لا يفشي سرَّ مرض من يُعانيه، وعلى العامل في المختبر أن لا يُعلم الآخرين عن نتائج فحوصات من خضع لها، وعلى الموظّف في المصرف (البنك) أن لا يعلن كم يملك المودِع من مال، وعلى المحقِّق والقاضي أن يحتفظ بأسرار من يحقِّق معه أو يقاضيه، وعلى العالِم أن يكتم ما أسرَّ إليه المؤمنون الواثقون به، وهكذا.اما القسم الرابع من انواع الکتمان المطلوب : هو كتمان الأسرار الخطيرة وهو من أهمّ الموارد التي تشدَّدت فيها الشريعة في ضرورة الكتمان وحرمة الإفشاء هي الأمور ذات الطابع الخطير كالأسرار الأمنيّة والعكسريّة، والتي قد تؤدّي معرفة العدوّ بها إلى الإضرار بالمؤمنين والتنكيل بهم وإضعاف شوكتهم، وفي هذا الإطار ورد عن الإمام الصادق عليه السلام تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾17، هو: “والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأُخذوا عليها فقتلوا، فصار قتلاً واعتداءً ومعصيةً(الكليني، محمد، الكافي، ج٢، ص ٣٧١.).وحول خطورة الإفشاء عن المعلومات الأمنيّة التي تسبِّب خطراً على مسيرة أهل الإيمان وردت أحاديث عديدة عن الإمام الصادق عليه السلام الذي كانت السلطات في عصره تبحث عن معلومات أمنيّة عن الإمام عليه السلام وأنصاره، ليكون لها ذريعة في التنكيل بهم، ومن هذه الأحاديث: كتمان سرّنا جهاد في سبيل الله”( المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٧٢، ص ٧٠..)او فی حدیث آخر”من أذاع علينا حديثنا، فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا (الكليني، محمد، الكافي، ج٢، ص ٣٧٠.) والله، إنّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا(الكليني، محمد، الكافي، ج٢، ص ٣٧٠.)فمن الواضح أنّ المراد من إذاعة حديثهم هو إذاعة المعلومات الأمنيّة التي تضرّ بهم وشيعتهم، ولا يُراد منها الأسرار المعرفيّة الباطنيّة كما قد يُتوهَّم، فهم عليهم السلام لم يكونوا باطنيين، ولم تكن أحاديثهم باطنيّة، بل معارفهم واضحة منشورة وضوح الشمس في رابعة النهار وإنّ خطورة إفشاء السرّ تزداد في عصرنا في ظلّ تطوّر وسائل التواصل الاجتماعيّ، ممّا يدعو للتنبّه والحذر الشديدين تجنّبًا لعواقب قد لا تكون محسوبة، ولتبقَ وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاضرة قبل اي قول أو خطوة: “إذا أنت هممت بأمرٍ فتدبَّر عاقبته الكليني، محمد، الكافي، ج٨، ص 150 وبناءا علی ان حماية مصالح المجتمع مقصدًا دينيًّا، فذلك يستدعي اهتمام القيادات الدينية بتشخيص مصالح مجتمعاتها، وأن ترى نفسها معنية بحمايتها، وأن تأخذ أوضاع مصالح



