خطبة الجمعة رقم 98 فظ آفات اللسان فی موضوع الطعن لناس او فی اعراضهم المطابق 27 ربیع الثانی 1443
خطبة الجمعة رقم 98 فظ آفات اللسان فی موضوع الطعن لناس او فی اعراضهم المطابق 27 ربیع الثانی 1443 المطابق 3 دسامبر 2021
یا عباد الله: اتقوا الله -تبارك وتعالى- قولاً وفِعالاً، اتقوه خضوعًا وامتِثالاً، بُكرًا وآصالاً؛ تُحقِّقوا عِزًّا وجلالاً، وسُؤددًا وكمالاً: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق: 5].ایها الإخوة والأخوات: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» لقد تحدثنا خلال سبع و تسعین خطبة من خطب الجمعه حول آفات اللسان والیوم اشیر الی آفة مهمه من أفات اللسان الا و هي الطعن للناس او فی اعراضهم ولا أحد يختلف بيننا على أن الطعن في أعراض الاخرين مسالة حساسة جدا وفي غاية الخطورة اضافة الى انه سلوك منحط.ربما لا تكفي كل كلمات الادانة اذا اردنا ان نرمي بها الشخص الذي يقدم على مثل هذا العمل، نستطيع ان نتفهم او نتحمل او نتغاضى عن مشاعرنا الرافضة لشخص ارتكب جريمة غير جريمة الطعن في اعراض الاخرين، ويمكن ان نتقبل وجوده بيننا ونتعامل معه و ، لكن سيكون من الصعب علينا التعامل مع شخص نجده دائما يستسهل طعن الاخرين في اعراضهم وهناك الكثير من أمثال هؤلاء وإن بدرجات متفاوتة، منهم من يطعن وبقسوة دون ان يراعي نتائج ما يقدم عليه حتى لو تسبب في هدم البيت على من فيه بعد ان تلطخت سمعة العائلة، ومنهم من يطعن ولكن على خفيف بالغمز واللمز والايحاء، وكثيرون بيننا يمارسون هذا السلوك مع زملائهم في العمل او جيرانهم بل حتى اصدقائهم وهذه المسألة ليست جديدة، وقد مارستها جميع الشعوب امس واليوم، وغدا ستمارسها ايضا، ولن تستطيع ان تتخلص منها، لكنها بكل الاحوال تزداد اتساعا في المجتمعات التي تعاني امية وتراجعا في التعليم وفي المستوى المعيشي، فالبطالة والفراغ والامية عوامل جوهرية تلعب دورا رئيسا في تشكيل الوعي الفردي والجمعي على درجة من البساطة والسذاجة، كما ان الغرائز تلعب دورا رئيسا في مثل هذه المجتمعات وتحديد جوهر وردود افعالها.بينما المجتمعات التي تكون على درجة عالية من العلم والمعرفة والازدهار الاقتصادي عادة ما يكون افرادها منشغلين بانفسهم واعمالهم وطموحاتهم ولايجدون وقتا كافيا لكي يمارسوا الثرثرة والطعن في اعراض الاخرين، باستثناء افراد يعانون من مشاكل نفسية خاصة، بمعنى ان غيرتهم من الاخرين تكون عالية جدا، مع ضعف في قدراتهم على تحقيق نجاحات تشبه نجاحات الاخرين وهذا ما يدفعهم دائما الى النيل منهم، وذلك بالحديث عنهم بكلام جارح يمس اعراضهم بالتالي تتلوث سمعتهم، وليس اسهل من هذا الاسلوب للنيل من الاخرين، وحقيقة الامر ان هؤلاء المرض الذين يتواجدون في مجتمعات متعلمة ومتخلفة على حد سواء من الصعب ان يكفوا عن هذه الممارسة، حتى لو رأوا بام اعينهم ما تسببوا به من الام للاخرين، هذا لأنهم محكومون بطبيعتهم المرضية ومامن سبيل للخلاص منها سوى حجزهم في مصح عقلي او نفسي لغرض معالجتهم. مما زاد الطين بلة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مع مطلع الالفية الثالثة حيث تحطمت تماما الحدود والحواجز الاخلاقية التي كانت تمنع وتحد من ظاهرة الاساءة الى الاخرين بشكل علني، فبعد ان كانت الاحاديث المسيئة والنميمة تسري ببطء بين الناس وبشكل محدود اصبحت بفضل اليوتب والفيس بوك وتويتر والانستغكرام والواتس اب تنتشر بسرعة اكبر من البرق، ويتم تداولها خلال لحظات بين ملايين البشر ولم تعد تقتصر الفضيحة على البلد نفسه بل اصبحت الكرة الارضية ابوابها مفتوحة امامها.وبات من الصعب لملمتها.وهناك الكثير من الضحايا الابرياء الذين سقطوا في حبائل التقنية الحديثة لوسائل الاتصالات، وكان من الممكن ان يتفادوا ما وقعوا فيه من خطأ في ما لو لم تكن هذه التقنيات موجودة، وكان من الممكن ان يصححوا خطأهم ويعودوا الى رشدهم، ولكن هذه الايام بات من الصعب معالجة ذلك، وإذا ما تلوثت سمعة انسان حتى لوكان بريئا من المستحيل ان يثبت براءته، بمعنى اصبحت النميمة عالمية بعد ان كانت مقتصرة في حدود مكان العمل او الحي السكني او حتى المدينة الصغيرة، وخلال الاعوام الماضية شاهدنا وقرأنا الكثير من هذه الحالات التي دفع ثمنها اشخاص حياتهم، فكثيرون لم يجدوا امامهم وسيلة للخلاص بعد ان تلطخت سمعتهم وعرف بها القاصي والداني طالما العالم قد اصبح قرية صغيرة حسب ادبيات العولمة، ومن الممكن ان يكون الكثير من هؤلاء يتحملون مسؤولية الخطأ الذي ارتكبوه في لحظة طيش او ضعف ولكنهم ماكانوا يقصدون ارتكابه لاجل ان ينشروه امام العالم، وطالما الامر كان يجري بسرية تامة، فهذا يعني انهم كانوا يعلمون في قرارة انفسهم انه خطأ، ولهذا كانوا حريصين على ان يكون بعيدا عن اعين الناس، ولكن لظرف ما وقعوا في الفخ، او اوقعهم شركائهم في الفخ لغاية في نفوسهم كانوا يخططون لها، وهذا ماحصل مع كثيرين، رجال ونساء، فنشروا ماكان سرا بينهم واعلنوه على الملا. وفي جعبة كل واحد منا الكثير من القصص والمشاهد التي شاهدها على مواقع التواصل الاجتماعي من هذا النوع، منها لشخصيات مشهورة او ذات مركز اجتماعي مرموق، ومنها لشخصيات عادية، وفي كلا الحالتين الضرر كبير، لان الاثنان سيصبحان تحت الاضواء، وستصبح سيرتهما على كل شفة ولسان. و هنا یطرح هذا السئوال ما هی مسؤوليتنا في هذه الجريمة ؟انا هنا لست بصدد الدفاع عن هؤلاء الذين افتضح امرهم ووقعوا في الفخ، ولاادافع عن اخطائهم، بل ادينهم مبدأيا على مارتكبوه من افعال مخلّة اساءت لانفسهم اولا واخرا، ولكن انا هنا اتحدث عن الجريمة التي نشارك فيها نحن، واقصد المشاركة في نشر الفضيحة التي يتورط بها هذا الانسان او ذاك لسبب او لآخر. فنحن ازاء حالة مرضية بين معظم رواد التواصل الاجتماعي، انها حالة الاستمتاع في الطعن باعراض الاخرين وكشف سترهم على الملا، وفي الحقيقة انا لااجد لهذا السلوك تفسيرا سوى انه مرض نفسي اخذ يسري فينا مثل تيار جارف لاتقف امامه حدود الدين اوالاخلاق اوالقيم الاجتماعية التي عادة ماتحصن الافراد
والمجتمعات وتردعهم عن تجاوز المحذور والثوابت القيمية التي اكدت عليها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
فيا إخوة الإيمان: لنا الحق ان نطارد الانتهازيين ومن ينتهكون القوانين ويسرقون الاموال العامة، ولنا الحق ان نجمع الادلة والوثائق التي تدينهم وتفضح تجاوزاتهم وانتهاكاتهم، ولكن ليس من حقنا ان نقترب من حياتهم الشخصية ومن عائلاتهم، ليس من حقنا ان نقترب من خصوصياتهم الفردية التي يعيشونها كاشخاص عاديين بعيدا عن وظيفتهم الرسمية، فكيف الحال بالاشخاص العاديين؟ إذ ليس من حقنا ان ننتهك الخصوصيات ونكشفها امام الملأ، فلكل انسان حياته الخاصة التي لايحق لنا ان ننتهكها، ومن يقدم على مثل هذا العمل ينبغي ان ينال عقوبة اخرویة مضافا علی العقوبات الدنیویۀ تتوازى مع النتائج التي يتسبب بها عمله للشخص الضحية انا ادرك جيدا صعوبة علاج هذه الظاهرة في مجتمعاتنا، لانها اساسا (اي مجتمعاتنا) تعشق النميمة، وتستمتع في عملية الطعن باعراض الاخرين، وكأنها عُرف وطبيعة اجتماعية توارثناها، وكأنها تقليد مقدس علينا التمسك به
أيها المؤمنون: ما أجلَّ عِرضَ المُسلم وما أعظمَه! وما أسماه وما أكرمَه! لذلك صانَه الشرع الحنيف، دون الشتم والوقيعة والتعدِّي، والطعن والقذف والتحدِّي؛ فحفظُ الأعراض أحسنُ الأغراض، وأحدُ أعظم مقاصِد الشريعة الغرَّاء کما هديِ رسولِه -صلى الله عليه وآله و سلم- القائل: “طُوبَى لمن شغلَه عيبُه عن عيوبِ الناس وقد قال الرسول صلی الله علیه و آله وسلم – في خُطبته الشهيرة يوم عرفة: ” رسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ـ في خُطبَةِ حِجّةِ الوَداعِ ـ : أيّها الناسُ ، إنَّ دِماءَكُم و أموالَكُم و أعراضَكُم علَيكُم حَرامٌ ، كَحُرمَةِ يَومِكُم هذا في شَهرِكُم هذا في بَلَدِكُم هذا ، إنَّ اللّه َ حَرَّمَ الغِيبَةَ كما حَرَّمَ المالَ و الدمَ ،
میزان الحکمه ج۸ حدیث شماره : ۲۵۰۱۵۵۷۹
و یقول الامام امیر المومنین علی علیه السلام إيّاكَ أن تَكونَ عَلَى النّاسِ طاعِنا و لِنَفسِكَ مُداهِنا ، فتَعظُمَ عَلَيكَ الحَوبَةُ ، و تُحرَمَ المَثوبَةَ . ( غرر الحكم : ۲۷۱۱ )
و یقول الامام علی فی حدیث آخر كَفى بِالمَرءِ جَهلاً أن يُنكِرَ علَى الناسِ ما يأتِي مِثلَهُ .(غرر الحكم : ۷۰۷۳ )
و هناک روایۀ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات بشر ميتة وكان قمنا أن لا يرجع إلى خير» وسائل الشیعه کتاب الحج باب الطعن
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء». و یقول الامام الصادق عیه السلام : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَکَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ وَ جَلَالِ کِبْرِیَائِهِ فَمَنْ طَعَنَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَوْ رَدَّ عَلَیْهِ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ فِی عَرْشِهِ وَ لَیْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ فِی وَلَایَةٍ وَ إِنَّمَا هُوَ شِرْکُ شَیْطَانٍ” وسائل الشیعه کتاب الحج باب الطعنایها الاخوه و الاخوات انبهکم فی ختام هذه الخطبۀ بأن عقوبة التعدِّي على الأعراض سفكًا وحشًّا، وعقرًا ونهشًا؛ أمرٌ ترتعِدُ له الفرائِص، وترتاعُ له القلائِص، – عنه صلى الله عليه و آله : مَرَرتُ ليلةَ اُسرِيَ بي على قَومٍ يَخمِشُونَ وُجوهَهُم بأظفارِهمِ ، فقلتُ : يا جَبرَئيلُ ، مَن هؤلاءِ ؟ فقالَ : هؤلاءِ الذينَ يَغتابُونَ الناسَ و يَقَعُونَ في أعراضِهِم میزان الحکمه ج۸ حدیث شماره : ۲۵۰۱۵۵۸1فيا عباد الله: اتقوا الله في السرِّ والعلَن، وصُونوا أعراضَ المسلمين بأقوَم الهديِ والسُّنَن؛ تفوزوا بأعظم البركات والرَّحمات والمِنَن.ولنا في الهديِ الربَّانيِّ والمنهَج الإصلاحيِّ القرآنيِّ خيرُ علاجٍ وشفاءٍ لحسم الطعون والأدواء، وحمل المُسلمين على عِفَّة اللسان والصفاء، وذلك في قول الحقِّ -تبارك وتعالى-: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور: 12]. وبذلك تسلمُ من الشُّكوك الصُّدور، وتتطهَّرُ من الأحقاد والوُحور، وتغدُو الأعراضُ في منأًى عن الغِيبَة والنَّميمة والبُهتان والزُّور کما بذلك نُؤسِّسُ لأنفسنا ومُجتمعاتنا سلامًا ذاتيًّا تترسَّخُ فيه قِيَم الوُدِّ والصفاء، وشِيَمُ النُّبل والإخاء.نسال الله تبارک و تعالی ان یوفقنا بتهذیب القلوب و النفوس انشاء الله تعالی



