صلاة الجمعة – 14 دیسامبر 2018
بسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَمِدَ فِي الْكِتَابِ نَفْسَهُ وَافْتَتَحَ بِالْحَمْدِ كِتَابَهُ وَجَعَلَ الْحَمْدَ أَوَّلَ جَزَاءِ مَحَلِّ نِعْمَتِهِ وَآخِرَ دَعْوَى أَهْلِ جَنَّتِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أُخْلِصُهَا لَهُ وَأَدَّخِرُهَا عِنْدَهُ ، وأصلي و أسلم على البشير النذير و السراج المنير الذي أصطفاهُ اللهُ رحمةً للعالمين محمدُ خاتَمُ الأنبياء و المرسلين، وعلى آله آل الرحمة، وشجرةِ النعمة، ومعدنِ الرسالة، ومختلفِ الملائكة، أُوالي من والوا و أُعادي من عادوا
أما بعد: عبادَ الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، اتقوا الله حق التقوى, فتقوى الله نورٌ في القلب وذُخرٌ في المنقلَب، وهي خيرُ شيء فی يومٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم.
قال الله الحكيم في كتابه العزيز
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة التوبة، الآية: 105
صدق الله العلی العظیم
وَرد عن رسول الله أنه قال: «إنّ اللهَ يُحبّ إذا عَمِلَ أحدَكم عمَلًا أن يَتقَنَه».
الحياة تَفرُضُ على الإنسان العملَ والحرَكة، لتحصيل المكاسب، وتَلبيةِ المُتَطلبات، فلا خيارَ للإنسان في أن يَعمل أو لا يَعمل، وأن يَتحرك أو لا يَتحرك، فالحياة تَفرُضُ عليه أن يعملَ وأن يتحركَ. لكن التفاوتَ بينَ الناس، ليس في كونهم يَعملون أو لا يَعملون، وإنما يَكمُن التفاوت في مستوى العمل، ومدى الجَودة والاتقان فيه، سواء كان على الصعيد الفردي أم العام.
والإتقان يعني أداءُ العمل في وقته المناسب، وخُلّوُه من الخِلل، وإنجازُه طِبقًا للشروط وضوابطِ الأداء. إنّ هناك مِن الناس من يَحرِصون على إتقان أعمالهم، فيما يَتساهلُ آخَرون في أداء أعمالهم إلى حدِّ التَّسيُّب ، فأمثال هؤلاء عُودوا أنفسَهم تلفيقَ أعمالِهم كيفما اتّفق.
إنّ تعاليم الإسلام تَحُضُّ الإنسانَ المسلم على الإتقان في العمل، فليست المسألة مجرّدَ أداء العمل كيفما كان، وإنما المهم هو الظهورُ بالعمل متقَنًا وفي غاية الجَودة.
الإتقان سمة الوجود
ويُمكنُ رؤيةُ التأكيد المشدَّد في تعاليم الشريعة على إتقان العمل ضمنَ العديد من الأبعاد. ويأتي على رأسِها التأكيدُ الإلهيّ منه سبحانه وتعالى في خلقِ الإنسان، وتكوينِ جميع الخلائق في غاية التكامل والإتقان، وكأنّ الغايةَ من ذلك إخبارُ البشر أنّ الإتقان هو السِمَةُ المطلوبة في الكون والحياة، حيث يقول سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّـهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[سورة النمل، الآية: 88]، فأين ما یَمُمُ الإنسان وجهُه، وَجَدَ الإتقانَ الإلهي في آفاق الكون، وأنواع الخلائق، في كلّ جانب ومجال، إن في تكوين الذرّات أم في خلق المَجَرّات.
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[سورة السجدة، الآية: 7]، وبذلك يُخبرنا تعالى بأنّ كلّ شيء خَلَقَه سبحانه، لا بُدّ وأن يكون على أعلى مستوى من الإتقان والجَودة.
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين، الآية: 4]، وفي آية أخرى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: 14]. وما ذلك كلُّه إلا لأجل أن يُلفِتَ سبحانه نظرَ الإنسان إلى أنه يعيشُ في كونٍ صُنِعَ على أساس الإتقان، وتمامُ سُننه على الإتقان والإحكام، وبذلك فليَكن عملُك وتحرُكُك أيّها الإنسان منسجمًا مع الحال العام في هذا الكون البالغ الإتقان.
الآداب الشرعية جودة في السلوك
وقد بلغ من الآداب والسننِ الشرعيةِ التي تَدفع باتجاه الإتقان حدًّا تناولَ أدقُّ التفاصيلِ الشخصية لدى الإنسان، في مختلف مجالات حياته. حتى الأمورِ الخاصة، كالنوم والأكل ودخول بيتِ الخلاء، فمع أنّ النوم حاجةٌ بيولوجيةٌ للجسم، إلّا أنّ في الشريعةِ آدابًا ووصايا متعلقةٌ بهذا الأمر، كما يجري الحال نفسَه مع الآداب المتعلِّقة بالأكل والشرب، التي تتناولُ المستحبات والمكروهات المتعلِّقة بالغذاء والشُرب، بما يَشمُل ذلك الاهتمام بجَودة الغِذاء وطريقةِ تناول الطعام والشرب. وهناك عددٌ من النصوص ِالدينية الواردة حول ارتداء الملابس، من حيث النَظافة والظهور بالمَظهر الأنيق، إنّ جميع تلك الآداب والسنن جاءت لتربي الإنسان على الإتقان، لا مجرّدُ تأدية العمل كيفما اتفق.
من هنا
لقد أصبح إتقانُ العمل اليوم محلًّا للتنافس المحَموم بين الأمم والشعوب. فقد أصبحتِ المجتمعات تتسابقُ في إظهار مستوى الإتقان، في إنتاجها، وصِناعاتها، وتعليمها، وخدماتها، فلم تُعد المسألة أن يكونَ لديهِم تعليم أو لا يكون، وإنما يَكمُن لبُّ المسألة في مستوى ذلك التعليم وجَودته، وكذلك الحال على مستوى الإنتاج الصِناعي، والخدمات الصحية، حتى بات هناك مؤسسات دولية متخصصة في مراقبة مستوى الجودة والإتقان في كلّ مجالٍ من المجالات.
إنّ المراقب للأوضاع في مجتمعاتنا الإسلامية، ُيدرك بسهولة حجمُ الخَلَلِ الكبير، والعجزُ عن تقديم الأعمال المتقنة. وهذا بطبيعة الحال ما يؤدي إلى تعثّرِ التنمية في أوطاننا و مجتمعاتِنا ، نتيجةَ التَسَيُّب والإهمال على صعيد العمل، بالرُغم من حجم الإنفاق الكبير الذي موجود، ذلك أنّ الحلقةَ المفقودةَ هنا، هي غياب الإتقان في أداء العمل.
حيث تُنشأ المدارس وتُرصِد لها الميزانيات التعليمية، لكن تجد الخلل ضاربًا بأطنابه بدءًا من مناهج التعليم، إلى البيئة التعليمية، إلى إعداد المعلم، وصولًا إلى مستوى أداء المعلم لوظيفته، وهذا الخلل والتسيب هو الذي يؤدي إلى الفشل في مخرجات التعليم في الكثير من أوطاننا ومجتمعاتنا. والحال نفسُه مع الخدمات الصحية، فهناك ميزانيات ضخمة معتمدة على هذا الصعيد، ومع ذلك يرى المواطن أنّ هناك خللًا كبيًرا في مستوى الخدمات المقدمة، ولو بحثنا عن السبب، فسنجد أنّ لبّ المشكلة أو جزءًا كبيرًا منها يكمن في تردّي مستوى الجودة الإتقان في العمل.
اما انّ لغياب الجودة والإتقان في العمل أسبابًا وعوامل عديدة. ومن تلك العوامل الأساسية غيابُ ثقافة الإتقان حيث ينبغي أن يتربَى الإنسانُ على هذه الثقافة منذ النشأة في المحيط العائلي، وخِلال مرحلةِ الدراسة، وأثناءِ مراحل التدريب والتأهيل، إضافةً إلى التوجيه والتثقيفِ العام، وما دمنا نمتلكُ هذا الوازع ضمنَ منظومتنا الدينية فينبغي أن نعمل على تفعيله، حيث نعتقد أنّ الله سبحانه يراقبنا ويَنظر إلى أعمالنا.
أيّها المعلم، لا تَظُن بأن مصدر الرقابة عليك هي إدارة المدرسة ، بل أنت محاسب على عملك أمام الله سبحانه وتعالى، وكذلك الطبيب الذي يقدِّم خدماتَه العلاجية إلى المرضى، هو مؤتمن من قبل الله تعالى قبل أن يكون مؤتمنًا من إدارة المنشأة الطبية التي يَعمل بها. لذلك ينبغي أن يَظِلُّ شعورَ الإنسان قائمًا بأنّ الله سبحانه وتعالى يراقب عملَه، وفقًا للآية الكريمة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[سورة التوبة، الآية: 105]، وحين يَتساهل أو يَتَسَيّب في أداء الخدمة والواجب تجاه عبادِ الله، فإنه سيكون محاسبًا بين يدي الله سبحانه. من هنا ينبغي التأكيد دائمًا على ثقافة الإتقان وتفعيل الوازع الديني.
وإضافة إلى ما سبق، يُعَدّ إتقان العمل دليلًا على مدى احترام الإنسان لنفسه. ولا ينبغي أن يرضى لنفسه ولعَمَله الظهورَ مُشَوَّهًا، فمن لا يجِدّ في أداء عمله إنما يستهينُ بنفسه في حقيقة الأمر؛ لأنّ هذا العمل المشوّه سيَنسُب إليه. كُتب في سيرة أحد الخطباء، بأنّ ذلك الخطيب كان إذا أراد الذهاب إلى قراءة مجلس، فإنه يَهتمُّ بالتحضير الجيّد، وكان مدعوًا ذاتَ مرة للقراءة في مجلس ليس فيه حضور كثير، وعلى قلتهم لم يكن الحاضرون في المجلس من ذوي المستويات، إلّا أنّه مع ذلك ظلّ يَعكِف على التحضير، فخاطبه الكاتب متسائلًا عن سرِّ إجهاد نفسه في التحضير لهذا المجلس، فأجابه الخطيب بأني إنّما أَجِدُّ في التحضير احترامًا لنفسي بالدرجة الأولى وحتى لا أقدّم خطابًا غير متقن، فالخطاب الذي ألقيه ينبغي أن أُراعي فيه مستواي أنا، لا مجرّدُ قبول الآخرينَ له كيفما اتفق.
إنّ الحديث الوارد عن الرسول: «إنّ الله تعالى يحبّ إذا عمِل أحدكم عمَلًا أن يتقنه» يحفّز لدينا الوازع الديني، فالله سبحانه وتعالى يحبّ الإتقان، فإذا كان المرء يصلي ويصوم ويتعبّد الله لأنّ الله يحبّ منه ذلك ويثيبه عليه، فكذلك الحال مع ضرورة الإتقان في العمل الذي ينبغي أن يظهر على أحسن ما يكون؛ لأنّ الله يحبّ منّا ذلك.
نسال الله العلی العظیم ان یوفقنا للاجتهاد فی العمل و اتقان العمل و نساله یُرینا الحق حقا فنَتبَعُه و الباطل باطلا فنَجتَنِبُه.
اللهم صل علی محمد و آل محمد و اغفر للمؤمنین و المؤمنات و المسلمین و المسلمات الأحیاء منهم و الأموات.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
والحمدلله رب العالمین و صلی الله علی نبینا محمد و آله الطاهرین
اعوذ بالله من الشیطان الرجیم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه اللهم صل و سلم و زد و بارک علی اشرف رسلک و انبیائک سیدِنا و حبیبِ قلوبنا و شفیعِ ذنوبنا و طبیبِ نفوسنا ابی القاسم المصطفی محمد،رحمة للعالمین
و علی نفس الرسول صهرِه و وصیّهِ اسدِ الله و اسدِ الرسول یعسوبِ الدین قائدِ غرِ المحجَّلین و امامِ المتقین امیر المومنین علی بن ابیطالب صلوات الله و سلامه علیه
و علی الوارثةِ الوحیدة لرسول الله بِضعةِ لحمه و مُهجةِ قلبه امِ ابیها فاطمةَ الزهراء صلوات الله علیها
و علی سبطین الامامین سیدی شباب اهل الجنة الحسن و الحسین صلوات الله علیهما
و علی ائمة المسلمین الامام علی بن الحسین زین العابدین
و محمد بن علی الباقر
و جعفر بن محمد الصادق
و موسی بن جعفر الکاظم
و علی بن موسی الرضا
و محمد بن علی الجواد
و علی بن محمد الهادی
و الحسن بن علی الزکی العسکری
و الخلف الحجة القائم المنتظَرِ المهدی
حججک علی عبادک و امناءک علی خلقک و صلّ على ائمّة المسلمين و حماة المستضعفين و هداة المؤمنين.
اللهم عَجِّلْ فَرَجَهُم بقائمهم و اجعلنا من خیر انصاره و اعوانه.
عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.
الخطبة الثانية: حرمة الأديان وحرمة الإنسان
ورد في خطبة رسول الله في مِنى في حجّة الوداع أنّه قال: «أيّ يوم أعظم حرمة؟ قالوا: هذا اليوم، قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا: هذا الشهر قال: فأيّ بلدة أعظم حرمة؟ قالوا: هذه البلدة، قال: فإنّ دماءَ كم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تَلقَونه فيَسألكم عن أعمالكم، ألا هل بَلّغت؟ قالوا: نعم»[2] .
حين يَرتبط الإنسان بعقيدة دينية، فإنّها تَحظى بأعظم قَدَاسَة واحترامٍ في نفسه، فالدين بالنسبة للمؤمنين يُمَثِّلُ الحقَّ المطلق، والقيمةَ العليا، من هنا تَنبَع قَدَاسَةُ الدين وتعظيمُه.
وتَتَجَسَّدُ العقيدةُ الدينية في الرموز والمعالم. التي قد تكون مكانًا، أو زمانًا، أو شَعيرة، أو شخصيةً تُضفى عليها القَداسة، وهذا ما ينطبق على كلّ الأديان، ففي كلّ دين هناك رموز مقدّسة، تأخذ قَداستُها من قَداسةِ الدين نفسِه، إن الانسان المتديّن يَحترم رموزَه الدينية ويُقدِّسها، انطلاقًا من احترامه وتقديسه لدينه، وهذا أمر واضح وجليّ بين أبناء البشر.
أعظم حرمة من الكعبة
ولأنّ الإسلام أولى اهتمامًا عظيمًا بحرمة الإنسان وقيمته في هذه الحياة، جعل احترامَ الإنسان حالةً موازيةً لاحترام الدين، فبقدر ما يُكِنُّ المسلم من عظيم احترام لدينه، فإنه مطالب بذات القَدْر بإظهار الاحترام لنظيره الإنسان.
فالمسلم الذي لا يَحترمُ أخاه الإنسان، فإنّ احترامَه لدينه مشكوكٌ فيه. ذلك لأنّ الإسلام جعلَ هنالك علاقةً وثيقةً بين الأمرين، وارتباطًا عُضويًّا بين حرمة الدين وحرمة البشر. ومَن شاء التفكيك بينَهما فهذا أبعد ما يكون عن المصداقية في احترامه لدينه.
وإذا ما أراد المؤمنُ أن يَظهَرَ مقدارُ حرمةِ الخالق جلّ وعلا في نفسه، فإنه مطالب بالقَدر نفسِه بإظهار اهتمامه ورعايته لحرمة عباده، على اختلاف مراتب العلاقة بهم، من الوالدين، والأسرة، والجيران، والأصدقاء، والمعارف، والآخَرين. فإن تَشَكَّر اللهُ سبحانه على نعمة من النعم، فذلك ما يَستوجبُ أن تَشَكَّرَ بالقَدر نفسِه مَن يُحسنُ إليك من عباده، وقد وَرد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا أنه قال: «من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكرِ الله عزّ وجلّ»[3] ، وبذلك يكون شكرُ الخالق عزّ وجلّ بموازاة شكر المخلوقين دون مواربة.
إنّ هناك نصوصًا دينيةً كثيرة، تربط على نحو وثيق بين حرمة الدين وحرمة البشر. فقد روي عن النبي في تعريفه للفرد المسلم، أنه قال «المسلم من سَلِم الناسُ من لسانه ويده»[4] ، إنّ الفرد المسلم لا يكون مسلمًا حقًّا ما لم يَرْعَ حقوقَ نظرائه من بني البشر، فإذا ما ادّعى التديّن، في حين راح يَعتدى على الآخَرين بلسانه، يَتَّهِمُهم، ويَفتري عليهم، ويَستَغيبُهم، ويُشَهِّر بهم، فهذا ليس من الإسلام في شيء.
وفي رواية بهذا المعنى، يُشير الإمام عليُّ بن أبي طالب إلى أن اللهَ قد يُسامحُ عباده فيما يَتعلق به تعالى من حقوق، لكنه سبحانه ليس في وارد إغفالُ محاسبة العباد على إساءَتِهم واعتدائِهم على حقوقِ الآخرين، حيث قال: «… وأما الظلمُ الذي لا يترك ظلم العباد بعضهم لبعض»[5] ، وقال: « وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ کَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ »[6] ، وعبادَ الله الوارد ذِكرُها في الرواية عامةٌ، تَشمُل الجميع، بدءًا من الزوجة والأولاد، وصولًا إلى جيرانه، وكل من يتعامل معهم في حياته اليومية. وبعبارة أخرى؛ إنّ عباد الله هم كلّ الناس بمختلف أصنافهم، فمتى ما عمد المرء إلى ظلم أحدٍ، فكأنما اعتدى على الله جلّت قدرته، وبذلك يكون الله خصمه الأول يوم القيامة. وهذا مصداق واضح لمدى الارتباط العميق بين حرمة الدين وحرمة البشر.
وفي حديث عن النبي حيث كان يطوف بالكعبة ويخاطبها قائلًا: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ , مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا»[7] ، إنّ حرمة الإنسان أعظم من حرمة الكعبة، على الرغم من عظم شأنها ومكانتها وقدسيتها، بل إنّ من يسيء للكعبة ربما كان أقرب للمغفرة والتجاوز، منه إذا أساء لأحدٍ من الناس، فالإساءة للناس أعظم وأشدّ عند الله سبحانه.
إنّ لحرمة المؤمن في الشريعة معايير ومحدّدات لا ينبغي تجاوزها بأيِّ حال. وقد أوضح النبي هذه المحددات في قوله: «ماله ودمه وأن يُظَنَّ به إلّا خيرًا»، فلا يجوز بأيِّ حالٍ الاعتداءُ على الأموال أو الأنفس، ولا النَّيْلُ من القيمة المعنوية للآخرين، من خلال إساءة الظن بهم جِزافًا.
إنّ الأمة الإسلامية في عصرنا الراهن ، أحوج ما تكون لإدراك القيم الدينية العالية، إزاء مراعاة حرمات البشر و الالتزام بهذه المفاهيم العظيمة التي يسطر نبي الاسلام صلی الله علیه وآله و سلم.
دعا …..
((بسم الله الرحمن الرحيم))
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ١ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ٢ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٣ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ٤ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ ٦



