صلاة الجمعة

خطبه الجمعه الرابعه فی موضوع دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانيّة

خطبه الجمعه الرابعه فی موضوع دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانيّة فی الیوم الرابع من فبورا 2022 المطابق الثانی من شهر الرجب 1443
لاشک بان أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان، سواء كانت ماديّة أم معنويّة، ولكنّ الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر، فما لميتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق، فستكون نهاية المجتمع أليمة وموحشة جدّاً.ولرب قائل يقول: إنّ السّعادة و التكامل في واقع المجتمع البشري، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين و الأحكام الصّحيحة، من دون الإعتماد على مبادى‌ء الأخلاق في الفرد.و نقول له: إنّ العمل بالقوانين، من دون وجود قاعدةٍ متماسكةٍ من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن، لأنّ الإيمان و الأخلاق، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات و من المتیقن لن یکمل الاخلاق الا بالتقوی من الله والمجتمع الانسانی اذا یحب ان یتوفق فی مشاریعه الاخلاقیۀ و کذلک فی واقع الحياة الإجتماعيّة فیحتاج الی ان یبنی محور حیاته علی اساس التقوی ولن تصل الحياة البشریۀ إلى برِّ الأمان من دونها، وأنّ التقوى لا تختصّ بالمتدينين من الناس، بل هي من مستلزمات الإنسانيّة. ، فالإنسان الّذي يريد أن يصل إلى السموّ عليه أن يتحلّى بملكة التقوى، و التقوى لغويّاً مشتقّة من فعل “وقي” وهو بمعنى الحفظ والصيانة والمحافظة على الشيء و لذلک صار معنى التقوى في عرف الشرع حفظ النفس ممّا يوجب الإثم، وفِعل طاعته، واجتناب معاصيه؛ وتعني الخوف من الله تعالى في السر والعلانية و ان يجعل الانسان بينه وبين ما يخشاه من ربه مِن غضبه وسخطه وعقابه: وقايةً تَقِيه من ذلك،ولا بدّ لنا لمعرفة معنى التقوى وحقيقتها، من ذكر مقدمة، وهي:لو أراد إنسان ما ،أن تكون له مبادئ وأهداف في الحياة، وأن يسير وفق تلك المبادئ للوصول إلى أهدافه المنشودة، فلا بدّ له من أن يختط لنفسه مساراً معيناً لا يحيد عنه مهما نازعته أهواؤه ومصالحه ونزواته إلى ذلك، وبالتالي يجب عليه أن يحافظ على نفسه من الأمور الّتي تتّفق مع أهوائه ونزواته، وتتنافى مع الأصول والأهداف الّتي اتخذها لنفسه.ومن هنا نعرف أنّ التقوى بمعناها العامّ لازمة لحياة كلّ فرد يريد أن يكون إنساناً، وأن يحيا تحت حكم العقل، وأن يتبع قواعدَ وأصولاً معينة.وأما التقوى الدينيّة فهي أن يحافظ الإنسان على نفسه، ويصونها عن ارتكاب كلّ ما يراه الدين خطأً وإثماً وفساداً وقبحاً، وهذه التقوى يمكن أن تتصّور بصورتين:الصورۀ الأولى: وهي أن يهرب الإنسان من مجتمعه ومحيطه الفاسد المليء بالآثام والمعاصي، وبهذا الهروب يمكنه الحفاظ على نفسه من ارتكاب المعاصي والآثام والأوزار، كمن يتجنب البقاء في محيط موبوء بفیروس الکورونا فيهرب إلى مكان نقي لا مرض فيه.الصورۀالثانية: وهي أن يبقى المرء في مثل ذلك المجتمع الفاسد، على أن يوجد في نفسه قوّة وملكة تورثه مناعة روحية وأخلاقيّة تجعله لا يتأثر بهذه الآثام، ولا يقترب منها، مهما كانت المغريات كبيرة، ومهما كانت جاذبيتها شديدة، كمن يتناول لقاحاً ضدّ الفیروس الکرونا ، ويبقى بين المرضى.والعامّة من الناس يتصوّرون التقوى بصورتها الأولى فقط، ولعلّ ذلك ناشئ من تفسيرهم للتقوى بأنّها الاحتياط والتجنّب، وهكذا وصلوا إلى أنّ التقوى هي تجنّب المجتمع الفاسد، والاحتياط بالابتعاد عنه.وهذا ما جعل مفهوم التقوى عندهم مساوياً لمفهوم الانزواء والابتعاد عن المجتمع، ولكن الصحيح أنّ الذي يطلبه الشرع هو التقوى بصورتها الثانية، وهي أن ينخرط الإنسان في مجتمعه مهما كان فاسداً، بعد أن يوجد في نفسه قوّة وملكه تورثه المناعة الروحيّة والأخلاقيّة الّتي تمنعه من التأثر بالمفاسد والرذائل المنتشرة في ذلك المجتمع, لأنّ الابتعاد المرء عن المزالق لئلا ينزلق ليس بطولة، وإنما البطولة أن لا ينزلق في المحيط الزلق، وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في دعاء الصباح:”الثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول ، کما نلاحظ أنّ بعض كتب الأخلاق تنقل قصصاً عن بعض القدامى أنهم كانوا يُكرهون أنفسهم عمليّاً على تجنّب الزلل، فيضعون الحصى، مثلاً، في أفواههم لئلا يرد على ألسنتهم شيء من اللغو أو الحرام في الكلام، وتعتبر هذه الكتب أنّ أعمال هؤلاء هي نموذج من التقوى الكاملة. ولكن الصحيح أنّ التقوى الحقيقية إنّما هي تلك الروح القويّة المقدّسة الرفيعة الّتي تحافظ على الإنسان وتقيه، وعلى المرء أن يسعى جهده لبلوغ تلك الحقيقة.وإن كان لأعمال أولئك المذكورين من كمال فهو من حيث كون تلك الأعمال هي المراحل الأولية لتقوية ملكة التقوى في نفس الإنسان، وأنهم يسعون جهدهم في شتى الطرق لتحصين أنفسهم. وهنا قد يسأل البعض ممّن يألفون الحريّة وينفرون من كلّ ما يضع عليها الحدود والقيود:هل التقوى قيد يكبّل الإنسان؟أليست التقوى قيداً قد أُعدّ لتكبيل البشر؟والجواب: إنّ التقوى ليست قيداً، بل هي صيانة للنفس وللروح، وإن شئت أن تسمّيها قيداً فقل هي قيد صائن. وليس كلّ قيد قبيحاً ومرفوضاً، فالبيت ـ بسقفه وجدرانه ـ يقيّد حركة الإنسان، ويحدّ من حريته في الاستمتاع بالهواء الطلق، وبما يحيط به من مظاهر الجمال، ولكنّه قيد صائن له من حرارة الشمس وحرّ الصيف وبرد الشتاء. والتقوى كذلك، فهي كاللباس للجسد، تحمي الروح وتصونها من كلّ ما من شأنه أن يكون خطراً عليها، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة سورۀ الاعراف 26حيث قالت: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْر﴾ .ولأمير المؤمنين عليه السلام فی نهج البلاغه فی خطبه 230تعبير أرفع من هذا, إذ يعتبر التقوى علّة وسبباً للحريّة الكبرى، فيقول:”فإنّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب . فالتقوى تحرّر الإنسان من قيود العبوديّة للرغبة والهوى، وتخلّصه من سلاسل الحرص والطمع والحسد والشهوة والغضب، وبالتالي تجعله حرّاً في حياته الاجتماعيّة، فمن يكن عبداً للمقام والجاه سيكون عبداً لمن يمنحهما له، والعكس صحيح.کما قد يخطئ البعض، فيعتقد أنّ التقوى ـ وبما أنّها حرز وحصن وصائن للإنسان لا تحتاج إلى حراسة وصيانة، ويظنّ أنّه بإمكان الإنسان المتقي أن يعيش في أجواء الفساد والرذيلة دون خوف من الانحراف والمعصية. والحقيقة أنّ ذلك وهم كبير، يقع فيه هذا البعض, والتقوى تحتاج إلى صيانة وحراسة، لكي تبقى وتستمر وإلّا تعرّضت للتصدُّع والاختراق من قبل بعض المعاصي الّتي لها من التأثير ما ليس لغيرها من
المعاصي الأُخَر.وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السلام: فی نهج البلاغة، الخطبة رقم 189.”ألا فصونوها وتصوّنوا بها”.فإنّ أخطاراً كثيرة تحيط بالتقوى من كلّ جانب، ومن شأنها إذا لم يتنبه لها الإنسان ويبتعد عنها أن تزلزل كيان التقوى عنده, فإنّ التقوى قد تحول بين المرء ومعاصٍ كثيرة، ولكن بعض المعاصي ذات الجاذبيّة الأقوى لا يمكن للتقوى وحدها أن تحول بينها وبين الإنسان، وعليه فلا بدّ من ممارسة أسلوب آخر لتجنّب تلك المعاصي، ألا وهو الابتعاد عن الأجواء المغرية والدافعة نحو المعصية، وبهذا نحافظ على التقوى ونصونها من أن تنهار أمام ضغط الغريزة وقوّة الشهوة و فی ختام هذا البحث و بما ان التقوى كنـز لا يقدّر بثمن، وجوهر بلا نظير ، ومفتاح ذو أسرار لفتح جميع أبواب الخير، ولأجل موقعها المتميز هذا تسيل مائة وخمسين مرة حزم من ضياء زلال القرآن الكريم في أدمغة أرواحنا و هنا لاجل عدم اطالۀ ومن باب التبرک اشیر الی ثلاث آیات القرآنیۀ التی تبین آثار التقوی :
الآیۀ الاولی فی سورۀ الانفال :آلایه 29:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » و معناها واضحۀ للجمیع بأنّ التقوى تمكّن الإنسان من معرفة الحق والباطل وتغطّي على ذنوبه وتمحو آثارها من وجوده وستشمله مغفرة المولى تعالى
الآیۀ الثانیۀ فی سورۀ الطلاق آلایۀ 2: «وَمَن يَتقِ اللهَ يَجْعَل لهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» و معناها واضح بأنّ التقوى هي السبيل للخلاص من كل الطرق المسدودة والحصول على الرزق الوفير
الآیۀ الثالثۀ فی سورۀ الاعراف الآية 96.
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‌ آمَنُوا وَ آتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَاخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ». ، هذه آلایه تتكلّم عن الرّابطة بين بركات الأرض و السّماء و بين التّقوى‌، حيث يُصرِّح فيها بأنّ التّقوى‌، سبب البركات التي تنزل من السّماء على الناس، وبالعكس فإنّ عدم التّقوى و التّكذيب بآيات اللَّه، سبب لنزول العذاب: .«البركة»: أصلها الثّبات و الإستقرار، و بعدها اطلقت على كلّ نِعمةٍ و موهبةٍ تبقى‌ ثابتةً لا تتغير، فبركات الأرض و السّماء لها معنى وسيع جداً، بحيث يشمل: نزول الأمطار، و إنبات النّباتات، والولد الصالح و الذریۀ الصالحۀ و كثرة الخيرات، وكثرة القوى‌ البشريّة و لذلك فإنّ الموجودات غير المبارك فيها، تكون غير ثابتةٍ و تفنى‌ بسرعةٍ.وإن الكثير من الامم لديها إمكاناتٌ ماديّةٌ كبيرةٌ، و معادن و مصادر للثروة تحت الأرض، و كذلك لديها أنواع الصّناعات، ولكن بسبب أعمالهم السيئة و التي لها علاقة مُباشرة بإنحطاطهم الأخلاقي، فإنّ تلك المواهب والمنن الإلهيّة، ستتعرض للإهتزاز وتفقد البركة في مضمونها الإجتماعي، حيث تُستعمل تلك النعم الإلهيّة في الغالب، لتعجيل فنائهم وزوال نعيمهم من موقع النقمة الإلهيّة.وقد صرّح القرآن الكريم بذلك، حيث قال في الآية (85)(في سورة التوبة): «وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيْدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» و بناءا علی ذلک فإنّ هذه النِّعم إذا إقترنت بفساد الأخلاق، فستكون سبباً لعذاب الدنيا و خُسران السّعادة في الآخرة!.و بعبارةٍ اخرى‌، إذا إقترنت هذه المواهب الإلهيّة، بالإيمان والأخلاق والقيم الإنسانية، فستجلب الرّفاه و السعادة و العمران للمجتمع البشرى،.وبالعكس فيما لو سلك الإنسان معها، اسلوب البُخل و الظُّلم و الإستبداد، و سوء الخُلق و إتّباع الأهواء، فستكون من وسائل الإنحطاط و الفساد و الإنحراف!.نسال الله تبارک و تعالی ان یوفقنا بتهذیب النفوس و الابتعاد عن المعاصی و الوصول الی التقوی انشاء الله تعالی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى