صلاة الجمعة

خطبه الجمعه یوم الرابع من شهر شوال عام 1443 المطابق السادس من شهر مای 2022

خطبه الجمعه یوم الرابع من شهر شوال عام 1443 المطابق السادس من شهر مای 2022
يعتقد البعض من غير المطّلعين، أنّ المسائل الأخلاقيّة تمثل أمراً خاصاً في حدود الشّخصية للإنسان، أو أنّها مسائل مقدّسة معنويّة، لا تفيد إلّافي الحياة الاخرويّة، وهو أشتباه محض، لأن أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان و نهاية المجتمع البشري بلا أخلاق ستكون أليمة وموحشة جدّاً.، و لاشک بان الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر، فما لميتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق فسیعرّض شعوبهم لمصائب أليمةٍ و ويلاتٍ، ، ولایتصور بإنّ السّعادة و التكامل في واقع المجتمع البشري، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين و الأحكام الصّحيحة، من دون الإعتماد على مبادى‌ء الأخلاق في الفرد.والمجتمع لإنّ العمل بالقوانين، من دون وجود قاعدةٍ متماسكةٍ من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن، و بدیهی بان الإيمان و الأخلاق، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات .والحقيقة أنّ الحياة الفرديّة للإنسان، لا لَطافةَ ولا شفافيّة لها بدون الأخلاق. و هنا نشیربآیۀ القرآنیۀ الاخری فی سورة النحل، الآية 97 التی هی الناظّرة إلى المسألة المهمّة، وهی آثار العمل بالاخلاق و المبادی الاخلاقیه فی المجتمع و نستوحي منها تعبيراً جديداً عن علاقة الحياة الطيبة بالأعمال الصالحة، (و الصّفات التي هي منشأ لتلك الأعمال)،: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ انْثى‌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةًطَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»و نجد فی هذه الآية أنّها تتناول الحياة الفردية، فيذكر فيها أنّ كلّ إنسانٍ من ذكر و انثى، إذا آمن وعمل صالحاً فسيحيى حياةً طيّبةً.ولا نرى في هذه الآية أيّةَ إشارةٍ إلى أنّ‌ «الحياة الطيّبة» محدودةٌ بيوم القيامة فقط، بل تشير ظاهراً إلى (الحياة الطيّبة) في الدنيا، أو تستوعب المفهوم العام للحياة في الدنيا والآخرة.ولكن ما هي الحياة الطيّبة؟ لقدإختلف المفسّرون في تفسير مصادیق الحياة الطيّبة، فبعض فسّرها لتّوفيق لطاعة اللَّه تعالى و بعض آخر باللقمة الحلال، وقال آخر أنّها القناعة والرضا بما قسمه اللَّه تعالى، وقال البعض أنّها العبادة مع لقمة الحلال، ، و تبنّى‌ آخرون تفسيرها بالنّظافة من جميع الأوساخ والأدران، مثل الظّلم و الخيانة والعدوان و الذلّة و الطّهارة و النّظافة و الرّاحة، فكلّها تندرج تحت ذلك المفهوم، ولكن بالنّظر إلى جملة: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ»، النّاظرة للأجر الاخروي، يتبيّن أنّ المقصود من كلمة «الحياة الطيّبة»، هو الإشارة للحياة السّليمة في هذه الدنيا. ولعلّه لا حاجة بنا للتذکیر بأنّ مفهوم الحیاة الطیّبة من السعة بحیث یشمل کلّ ما ذکروه وغیره، فالحیاة الطیّبة بجمیع جهاتها، وخالیة من التلوّثات والظلم والخیانة والعداوة والذل وکلّ ألوان الآلام والهموم، وفیها ما یجعل حیاة الإنسان صافیة کماء زلال. وبما إن بعض الناس لا يفكر في حياتهِ ولا في سعادته، يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، هكذا يعيش حياته أشبه بالحياة الحيوانية.. وأمير المؤمنين -صلوات الله وسلامه عليه- يعلق على حياة بعض الناس، فيقول: (كالبهيمة المربوطة، همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها)، فإن الذي لا يلتفت إلى واقعهِ؛ يعيش هذهِ الدورة.. ومن هنا حياة البعض أشبه ما يكون بحياة دودة القز كلما سعت؛ كلما أنتجت.. وكلما أفرزت؛ كلما اشتد الحصار على هذهِ الدودة إلى أن تختنق.ومن هنا الإنسان العاقل لابد لهُ من وقفة في حياته، لينظر إلى ما مضى وإلى ما سيأتي.. ویطرح هذا ا لسئوال بانه لاشک إن الحياة الهادئة المستقرّة مطلبُ كلِّ إنسان، ومقصدُ كلّ عاقل، فأين الطريق إلى الحياة الطيبة؟ فكيف في هذه الحياة المليئة بالتعب وفي هذه الدنيا الفانية التي بها الضيق والبلاء وفي زمنٍ كثرت فيه أسبابُ الهموم والأحزان، وكثُرت فيه الشواغل.نتذوّق الحياة الطيبة في أنفسنا؟ كيف نعيشها في مجتمعاتنا؟ وقد يتصوَّر بعضُ الناس بان الحياةَ الطيبة أبدعت في أساليبِ الرفاهية لبني البشر، لكنَّ الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن الحياة المعاصرة لم تستطِع تأمينَ الحياة الطيبة، ولا سعادة القلب، ولا اطمئنان النفس، لقد بلغ العلم الحديث درجة عالية من الرّقي، فلم يحقِّق إلا لذّةً ظاهريّة ورفاهيةً آنيّة، لم تتذوّق بها النفس الحياةَ الطيبة. فأين الطريق ؟ وقد يتصوَّر بعضُ آخر من الناس الحياةَ الطيبة مقترنةً بالمناصبِ الخادعة، ويتصوّرها آخرون مع الانغماس في الشهوات وآخرون مع تشييد القصور الفخمة ولكن هل وجدوها هناك ؟. نحن عند ما ننظر الی ما قال واهب الحياة وخالقها قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً. الإيمان الحقُّ بالله تعالى رباً ومعبوداً هو السببُ الأعظم للحياة الطيبة، الإيمان بالله هو سكينة النفس، وهداية القلب، وهو منار السالكين وأمل اليائسين، إنه أمان الخائفين ونصرة المجاهدين. وهو بشرى المتقين ومنحة المحرومين. ومن ملك هذا الكون ومالكه. إنه الله، خالقُ كلِّ شيء، ربّ كلّ شيء، مدبّر الأمر وحده، الخافض الرافع، المعزُّ المذلّ، الضارّ النافع، هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء، هو على كل شيء قدير، قيومُ السموات والأرض. فإذا علم العبدُ ذلك فقد وجب عليه أن لا يخشى إلا ربَّه، وأن لا يیحث لتحصیل العزةَ إلا في طاعته والتذلّل لعظمته، وأن لا يتَّجه إلى غيره، ولا يتعلق قلبه بسواه، وأن يلجأ إليه وحده في كل ما يلمّ به من المصائب والشدائد، فهو ربّه ومالكه، ومصلحُ أمره ومدبّره. وحينئذ تطمئنّ نفسُه، ويقوى قلبه؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى ركن شديد، ويحتمي بملك الملوك، فقد توكَّل على الحيّ الذي لا يموت، وهذا يجعل نفسَه دائماً مطمئنَّةً وحياتَه طيبة. فيقبل المؤمن على دنياه مطمئناً هانئاً سعيداً رضياً. مهما اختلفت عليه الظروف وتقلبت به الأحوال. لا ييأس على ما فات ولا يفرح بما حصل. إيمان ورضىً مقرون بتوكل وثبات، يعتبر بما مضى ويحتاط للمستقبل ويأخذ بالأسباب، لا يسخط على قضاء الله، ولا يتقاعس عن العمل، يستفرغ جهده من غير قلق، لأن شعاره وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. و السئوال آلاخر ربما یسئله احد هل تحصل الحياة الطيبة في الدنيا أو في الآخرة؟ اختلفوا: لقد اختلفوا المفسرون في التي ذكرها سبحانه بقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً). وإذا كانت في الدنيا، فكيف نفسر المشاكل والصعوبات المادية والمعنوية التي تجعل من الحياة سجنا للمؤمن في مقابل الرفاهية والنعيم والغنى والقوّة التي يعيشها الكافر لتكون الدنيا جنّة له؟ على ما ورد: «إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وبملاحظة تعبير الآية عن الجزاء الإلهي وفق أحسن الأعمال، ليفهم من ذلك أنّ الحياة الطيبة ترتبط بعالم الدنيا بينما يرتبط الجزاء بالأحسن بعالم الآخرة وأن المقصود بالحياة
ليست هي الحياة المادية التي يعيشها الإنسان بموازين الحس والغريزة، بل هي الحياة الروحية المعنوية، ففي الحياة أشياء كثيرة غير المال تطيب بها الحياة في حدود الكفاية، فيها الاتصال باللَّه والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الحياة … وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللَّه
و هنا اشیر بثلاٍثه اسباب لتحصیل الحیاة الطیّبة:
السبب الاول : الایمان بالله و الرِّضا بقسمه :، فلا يمكن أن تحصل السعادة إلاَّ لِمَنْ يؤمن بالله -تعالى-، ومن الإيمان بالله: الإيمان بقضائه وقدره، والرضا بقسمه، انَّ اللَّهَ اوْحی الی داود علیه السلام: تُریدُ وَ اریدُ، وَ انَّما یکونُ ما اریدُ، فَانْ سَلَّمْتَ لِما اریدُ کفَیتُک ما تُریدُ، وَ انْ لَمْ تُسَلِّمْ لِما اریدُ اتْعَبْتُک فیما تُریدُ، ثُمَّ لا یکونُ الّا ما اریدُ(محجةالبيضاء، ج 8، ص 90)) والإنسان في هذه الدنيا لا بد أنْ ينتابه شيء من الهموم والمصائب، فإنْ لم يَرْضَ بالقضاء والقدر هَلَك. واللهُ -تبارك وتعالى- لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقضي أمراً يريد به عُسْراً لعباده، والخيرُ مطوِيٌّ في جوف ما نظنه كارِثةً وشرًّا، قال -تعالى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[البقرة:216]. قال الباقر علیه السلام: انَّ اللَّهَ تَبارَک وَ تَعالی اخْفی… رِضاهُ فی طَاعَتِهِ، فَلا تَسْتَصْغِرَنَّ شَیئاً مِنْ طاعَتِهِ فَرُبَّما وافَقَ رِضاهُ وَ انْتَ لا تَعْلَمُ(بحارالأنوار، ج 69، ص 274.) وانَّ مُوسی علیه السلام قال: یا رَبِّ دَلِّنی عَلی عَمَلٍ اذا انَا عَمِلْتُهُ نِلْتُ بِهِ رِضاک؟ فَاوْحَی اللَّهُ الَیهِ: یا ابنَ عِمْران، انَّ رِضای فی کرْهِک(بحارالأنوار، ج 78، ص 136.)و قال زین العابدین علیه السلام: انَّ ارْضاکمْ عِنْدَاللَّهِ اسْبَغَکمْ عَلی عِیالِهِ(بحارالأنوار، ج 78، ص 136.)
السبب الثانی من أسباب تحصیل الحياة الطيبة:: التوكُّل على الله، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق:3 فلا يُتصوَّر التوكلُ على مَنْ ساءَ ظنُّك به، ولا التوكلُ على مَنْ لا ترجوه، واللهُ -تعالى- تكفَّل لِمَنْ توكَّل عليه بالكفايةِ التامة، والهدايةِ والوقاية]. یقول الامام امیر المومنین علیه السلام مَن تَوَکَّلَ عَلَی اللهِ ذَلَّت لَهُ الصِّعابُ وَ تَسَهَّلَت عَلَیهِ الأَسبابُ وَ تَبَوَّءَ الخَفضَ وَ الکَرامَةَ (غررالحکم ح3888 ص197 ).).
السبب الثالث من اسباب تحصیل الحیاۀ الطیبه: حُسْنُ الظنِّ بالله -تعالى- الامام الرضاء سلام الله علیه یقول فی تعریف حُسْنُ الظنِّ بالله -تعالى إنَّ اللهَ عزَّوَجَلَّ یَقولُ: اَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِیَ المُؤمنِ بی: إنْ خَیراً فَخیراً وَ إنْ شَرّاً فَشَرّاً.( مُسندالامام‌الرضا علیه‌السلام، ج ١، ص ٢٧٣) و یقول الا مام جعفرالصادق(علیه‌السلام)»:حُسنُ الظّنِّ بِاللهِ أَنْ لاتَرجُوَ اِلاّ اللهَ و لاتَخافَ الاّ ذَنبَكَ. (جامع‌ احادیث‌الشیعه، ج ١٤، ص ١٧٤)
نسال الله تبارک و تعالی ان یوفقنا بتحصیل الحیاۀ الطیبه و بتهذیب النفوس و التقرب الی الله تعالی انشاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى